RSS

عبد الأمير الأعسم مشغول بالكشف عن خصائص الفكر العربي المعاصر

ملحق ثقافي
19/2/2008م
حوار: علي محمد إسبر

يعد الأستاذ الدكتور عبدالاميرالاعسم واحداً من المفكرين العرب الذين صدروا في مواقفهم عن منطلقات ابداعية خالدة في التراث العربي.

وهو بذلك يختلف عن الكثيرمن المفكرين العرب الذين توسَّلوا المناهج الغربية بوصفها ادوات اساسية في تجاربهم الثقافية، وتجدر الاشارة الى ان الدكتور الاعسم من مواليد العراق سنة 1940 وتقدم في مراتبه الاكاديمية الى ان نال درجة الدكتواره في الفلسفة من جامعة كمبردج سنة 1972 ونشر في حياته العلمية اكثر من عشرين كتاباً واكثر من مائة بحث ودراسة باللغتين العربية والانكليزية هذا الى جانب المامه بعدد من اللغات الاوروبية وشارك في مؤتمرات وندوات ودوائر استشراقية عالمية تتمحور حول التراث الفكري وشغل عدداً من المناصب الاكاديمية الهامة من اهمها: رئيس الاتحاد الفلسفي العربي. يقول الفيلسوف الألماني هيغل: إن ما يشكل عند الأوروبيين القانون والحياة الأخلاقية والدولة موجود عند الشرقيين بطريقة بطرياركية، فالحرية لا وجود لها عندهم. وبالتالي، فإن الشرقيين -كما يرى هيغل- يفتقدون للحرية ولم يرتقوا الى معرفة «الكليّ»، لذلك لا بد من استبعاد الشرقيين من تاريخ الفلسفة، لأنهم لا يمتلكون أي فكر حقيقي أصيل، لأن أساس الفكر هوالحرية، ما هو ردك على هذا النقد؟ واضح من طريقة وضعك للسؤال أنك تبحث عن إشكالية موقف العقل الأوروبي من العقل الشرقي، والعربي بوجه خاص. أولاً: إن هيغل أراد أن يقرر أمراً يتصل بمنهج تاريخ الفلسفة، فقد كان يشدد على أن تاريخ الفلسفة هوالفلسفة، أي بمعنى: لا يجوز لنا أن نتفلسف إلا إذا اطلعنا على تاريخ الأفكار وتطورها حتى عصرنا، فآنئذ نكون فلاسفة، وليس من الممكن أن نصحح مسار أفكارنا أو نطورها إلا إذا كنا عارفين بكل دقائق الفلسفات السابقة. هذا الكلام لاينطبق على العلوم الاخرى. وثانياً : ان هيغل لايتحدث عن الحرية هنا اعتباطاً، بل حديثه إنما يصدر عن فيلسوف الروح المطلق لذلك، فهو فيلسوف الحرية. معنى ذلك أن التاريخ عند هيغل هو مسار وعي الحرية بذاتها. ولنقل: إن تاريخ الفكر هوالحرية، فنكون قد حددنا القصد الذي رآه هيغل بالحديث عن استبعاد الشرقيين من تاريخ الفلسفة. لكن فقدان الشرقيين للحرية لا يعني أن الغربيين كانوا يملكون الحرية أيام الامبراطوريات والملكيات المطلقة.. وغياب المشاركة في رأس السلطة.. وإنعدام الحرية في الحكم… وهذا ما نعرفه عن أوروبا قبل عصر الأنوار، لكن هنا نجد هيغل يناهض الحق فيما قال إن الشرقيين يفتقدون الحرية، فلا مكان لهم في تاريخ الفلسفة، لأنه ليس لديهم فكر أصيل، وإن انعدام الفكر هو غياب الحرية!! هذه قاعدة لا تنطبق على الشرقي دون الغربي بحسب ظرفها الزماني، فالمسألة تمثل إشكالية الأوروبي المتعالي على الشرقي، وهي إحدى معضلات الحوار بين الشرق والغرب حتى يومنا هذا. يقول المستشرق الفرنسي الذائع الصيت أرنست رينان: «إن الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية». ما هو تفسيرك لسيطرة الثقافة اليونانية على العقل العربي، حتى صار هذا العقل عينه مجرد تابع وشارح للفكر اليوناني وقد تجلى هذا الأمر أكثر ما تجلى عند ابن رشد الذي دارت مؤلفاته الفلسفية كلها حول محور واحد هو أرسطو، ما تعليقك على هذا الكلام؟ إن مقولة رينان ترتبط من الناحية الجدلية بمقولة هيغل السابقة، لكن الفرق أن هيغل يتحدث عن الفكر والحرية، بينما يتحدث رينان عن عبودية ثقافة ما لثقافة أخرى. وأخذ رينان حيزاً كبيراً في القراءات العربية للرد عليه ونقضه منذ السيد جمال الدين الأفغاني مروراً بأساتذة النهضة الثانية مصطفى عبد الرازق وابراهيم مدكور الخ.. وصولاً الى زماننا الراهن. الجميع يعتقد بخطورة زعم رينان «أن الفلسفة العربية هي فلسفة يونانية مكتوبة بحروف عربية»، فلا يتحدث مفكر عربي عن العقل العربي وصلته بالعقل الغربي إلا وأقحم رينان في خط البداية من الحديث!! والمدهش أن يُقرن كلام رينان بالمرجعية الرشدية، والادعاء بأن ابن رشد شارح لأرسطو طاليس، أي بمعنى أخص أن الفلسفة العربية لم تكن إلا فلسفة يونانية في العموم والتفاصيل. وهذا كلام غير مقبول من الناحية الفيلولوجية بعد سنوات عديدة على ظهور أطروحة رينان من المطبعة في باريس عام 1852، هذا الى أنه قد ظهرت مئات من الأبحاث والدراسات التي قللت من أهمية مقولة رينان، بل منها ما أثبت العكس مثلاً فرضية أن ابن رشد لو تأخر به الزمان في ظهوره قرناً أو قرنين أو ثلاثة قرون، لكان عصر النهضة الأوروبية برمته، هو الآخر، قد تأخر على النمط نفسه.. والسبب في ذلك واضح وجلي من جهة أن ابن رشد الشارح قد استنارت به أوروبا، ومنه تعلمت مدارسها وأعلامها من روجر بيكون حتى ديكارت. ما هو موقفك من اعتماد كبار المفكرين العرب على منهجيات وأساليب نقدية غربية. وهذا ما نلاحظه بالنسبة لـ «عبد الرحمن بدوي» الذي صدر في آرائه عن نزعة هيدغر الوجودية، وأيضاً بالنسبة لـ «زكي نجيب محمود» الذي تمسك بتعاليم الوضعية المنطقية، وكذلك أيضاً «محمد عزيز الحبابي» الذي أسس رؤيته على شخصانية الفيلسوف الفرنسي رينوفييه. وهذا الأمر نفسه ينطبق علي محمد أركون من حيث اعتماده على منهجيات غربية في دراسة التراث الاسلامي، ونلاحظ هذا الأمر أيضاً عند عبد اللـه العروي؟ إن اعتماد كبار المفكرين العرب على منهجيات وأساليب نقدية غربية، ليس بالأمر الغريب عن حركة الأفكار في حوار الثقافات فكما اعتمد الأوروبيون الوسيطيون والنهضويون على منهجيات عربية وأساليب نقدية عربية، فلماذا نستغرب أن يكون لمفكرينا تغريب واضح في المنهج والنقد؟ إن الاتجاهات التي أشرت إليها: الوجودية، والوضعية المنطقية، والشخصانية، لاتكفي للدلالة على نزعة التغريب في الفكر العربي الحديث وصولاً الى الفكر المعاصر، فنحن منذ بدايات النهضة العربية في منتصف القرن التاسع عشر نجد الاتجاهات الفكرية على الشكل الآتي: – اتجاه سلفي محافظ على الاصول ولاينسجم مع المناهج الغربية ،وتبعا لذلك يرفض الآخر – اتجاه يتناغم مع المؤثرات الأوروبية على قياس الإفادة من تجربة الآخر، على أن يلغي دور الآنا في فعاليات الفكر. – اتجاه يرفض القديم، ويتعلق بالجديد بحسبانه هو الطريق الصحيح، ولا يتردد أن يأخذ كل ما يريد من الآخر. فإذا قصدت في صلب السؤال (المنهج) أي منهج البحث العلمي، فهذا لا خلاف فيه، أي يجب أن نتزوده من الفكر الغربي،لأنه هوالذي صنع هذا المنهج، أما إذا كان المقصود طرق وسبل الحياة، فليس التغريب هنا بمطلوب. وما فعله الدكتور عبد الرحمن بدوي بصدوره وجودياً عن نزعة هيدغر ليس أمراً ينافي تقاليد البحث العلمي طالما أن أطروحة الدكتوراه التي قدمها كانت فريدة في شكلها ومضمونها في سلسلة مؤلفات بدوي، لم يكن تراث بدوي هيدغرياً، بل كان متنوعاً أشد التنوع الى الحد الذي يصعب أن نحمل بدوي على منهج غربي واحد، أما الآخرون فهم من أصحاب التقليد والاتباع على نحو ما نرى في زكي نجيب محمود ومحمد عزيز الحبابي، ولا أدري كيف نقايس بدوي والآخرين! ومعنى ذلك أن ليس كل من قال بمنهج غربي يكون ناجحاً وموفقاً، لقد فشل مفكرون ولم نعرف لهم أصالة كما هو حال أركون والعروي الخ.. فهؤلاء وغيرهم الكثيرون يحتاجون الى إعادة نظر. أين تكمن دكتور عبد الأمير أهمية مؤلفاتك الفلسفية المتعددة، وما هو الأمرالجوهري الذي أردت أن تقوله من خلالها؟ إن مؤلفاتي تنوعت بين أن تكون تاريخ فلسفة يتضمن الفكر وعلم الكلام والتصوف والمنطق وبين راهنية الفكر العربي المعاصر. وكلها محاولات متواضعة للمساهمة في مسيرة الفلسفة العربية المعاصرة التي تتسع يوماً بعد يوم، بعد أن كانت في مرحلة الرواد في النصف الأول من القرن العشرين مقتصرة على نوع خاص من الناس بينما في زماننا صار الزعم بأن (قال وأشاع وروج وكتب وبحث ودرس..الخ)، أمراً مقبولاً وليس مقتصراً على فئة من الناس وأنا واحد من هؤلاء الناس الذين يعشقون المعرفة، وأجد متعة في التصدي لأفكار عامة أو خاصة، من هنا لا أستطيع أن أقيم ما أنجزته بين المطبوع والمخطوط، علاوة على ما أنوي الكتابة فيه، فهذا التقييم سيكون بالضرورة عملاً يقوم به غيري، فغيري يرى مؤلفاتي بعينين مستقلتين لا تتصلان بجهازي العصبي. أما الموضوعات التي شغلتني، فهي كثيرة أبرزها الكشف المستمر عن خصائص الفكر العربي المعاصر، وهذا ما دفعني مراراً الى التصدي لفرضيات الاستشراق الفلسفي بخصوص المشكلات الكبرى في الحضارة العربية، ومنها إشكالية تأثير العقل العربي على العقل الأوروبي في العصر الوسيط وعصر النهضة في أوروبا. والمدهش، وجدت أننا في كل مرة لا نجرؤ على الاطلاق كلمة «فيلسوف» على الذي يتعاطى المباحث الفلسفية، والغريب أننا نطلق صفات العلم والمهن على كل أصحاب اختصاص في الحياة ما عدا (الفيلسوف) عندنا، وكأن صفة الفيلسوف هي اشتراط أوروبي. وهذا غلط مبين!! بعد هذا كيف نعتب على هيغل فيما قال، وعلى رينان فيما زعم، ونحن العرب لا نجرؤ على أن نقول: هذا فيلسوف، وهؤلاء فلاسفة؟ ماذا تسمي عبد الرحمن بدوي، وزكريا ابراهيم، وناصيف نصار، ومحمد عابد الجابري، وحسن حنفي وغيرهم؟ أليسوا فلاسفة بحق لأن فكرهم فلسفي، واهتمامهم فلسفي، ومجمل تعاطيهم مع الحياة فلسفي، إذاً مهنة كل واحد فيهم هي (فيلسوف) كما يفعل الغربيون. ليس في وسع المرء إلا أن يطرح عليك سؤالاً حول ابن الريوندي أو ابن الرواندي كما هو شائع، لقد وضعت العديد من المؤلفات حوله، وقمت بتحقيق كتاب وحيد بقي من كتبه الكثيرة المفقودة هو «فضيحة المعتزلة». والجدير ذكره أن عبد الرحمن بدوي كان معجباً بدراساتك حول ابن الريوندي وشجعك على الاستمرار فيها، أين تتجلى أهمية ابن الريوندي في نظرك؟ يتضح من سؤالك أنك تريد أن تسألني: لماذا ابن الريوندي؟ أقول: كان اهتمامي الأول منصباً على المعتزلة، بحسبانهم العقلانيين الوحيدين الذين ظهروا أول مرة على الساحة الثقافية في القرنين الثاني والثالث للهجرة (التاسع والعاشر للميلاد)، فامتد تأثيرهم طوال قرون تالية حتى القرن السابع (القرن الثالث عشر) وسقوط بغداد على أيدي المغول 656/ 1358لكنهم للأسف غابوا عن الحياة العقلية في الاسلام غياباً تاماً بعد انحسار الحضارة العربية في المشرق والمغرب، وبعد انتصار السلفية. كنت في البداية أنظر وأتأمل في ثلاث شخصيات فكرية فائقة الأهمية: ابن الريوندي، المعري، التوحيدي. فهؤلاء أشهر من أن يُعرف بهم، فواحدهم «فرد الدنيا الذي لانظير له» (كما وصف ياقوت أبا حيان التوحيدي). ووجدت أن التوحيدي قد دُرس في مصر وفرنسا،وأظننا لا ننسى جهود السندوبي والكيلاني ومحي الدين في إحياء تراث التوحيدي، أما المعري فقد درسه مارغوليوث وكراتشكوفسكي وطه حسين وعائشة عبد الرحمن وغيرهم، لكن دراسة ابن الريوندي، على الرغم من اتساع الاشارات إليه في المراجع الاستشراقية منذ نشر هوتسما في (فيينا) تكملة كتاب «الفهرست» لابن النديم سنة 1889 وحتى مقدمة المستشرق نيبرك لكتاب الانتصار للخياط (القاهرة، 1925)، ففحول الاستشراق أشاروا الى ابن الريوندي ونبهوا باقتضاب الى درسه، كما فعل شبتا سنة 1876 في ليبزيك، ونيكلسون سنة 1902 في لندن، وغولد تسيهر سنة 1900 في برسلاووهورتن في روما.. وهكذا ظهرت بعد سنة 1910 في بون، ونللينو 1916 في روما.. بعد سنة 1925 أبحاث اعتمدت نيبرك مرجعاً أساسياً في موضوع ابن الريوندي، كما عرفنا كويدي سنة 1929، وريتر سنة 1930، وسليم خياطة سنة 1931، وعباس إقبال سنة 1933 في طهران.. بعدها مباشرة نشر كراوس بحثه باللغة الألمانية في مجلة R.S.O بروما عن ابن الريوندي سنة 1934، الذي بقي مرجعاً أساسياً للأوروبيين، حتى صدرت ترجمته العربية في كتاب بدوي «من تاريخ الإلحاد في الاسلام» سنة 1945 في القاهرة، فعرف الباحثون العرب تفاصيل أكثر في درس ابن الريوندي وبعد ذلك بثلاثين عاماً (1975) ظهرت في باريس-بيروت دراستي المفصلة جداً فيه حول تاريخ الشخصية والسيرة والفكر والجدل.. الخ.. بعد كل هذا، وجدت أول الثلاثة، وهو ابن الريوندي أكثرهم تأثيراً في الفكر الحر الذي يقربه من عصر الأنوار الأوروبي، فهو عقلاني الى حد الإفراط، وجدلي الى حد التفريط! وعلى أي حال، رأيت أن أدرس من خلاله ما يحيط في الأصل بدرس الشخصيات الفذة من صعوبات في الموروث المليء بالتزييف والانتحال. من المعروف أن المستشرق التشيكي الأصل بول كراوس كان من أوائل الذين اكتشفوا ابن الريوندي، واهتم كراوس بإظهار البعد الابداعي في تفكير إبن الريوندي، والمهم هنا هو أنه لماذا استطاع المستشرقون من أمثال ماكس مايرهوف واغنتس غولد تسيهر وكرلو ألفونسو نيللينو الخ.. أن يقدموا دراسات عميقة جداً حول التراث العربي الاسلامي عجز عن تقديمها كبار المفكرين العرب؟ إن بول كراوس كان مستشرقاً رصيناً من جهة أنه ضابط جيد للعربية، وقارىء متميز للمخطوطات، ومتقن لعدة لغات هي في حقيقتها حزمة معرفية قوية في آليته للبحث العلمي. فقد كان يتقن من اللغات الشرقية: العبرية، والسريانية، والعربية، والفارسية، والتركية. كما يتقن من اللغات الأوروبية: الألمانية، والتشيكية، والمجرية، والفرنسية، والإنكليزية، والإيطالية، والإسبانية، علاوة على معرفته الدقيقة باليونانية واللاتينية الخ.. حتى صار البحث في اهتمامات كراوس يتطلب معرفة بهذه اللغات مجتمعة كان نابغة في الدرس والتحصيل من جهة أنه إذا أراد أن يتقن درس شخصية ما فيراكم معرفته فيها حتى يصل في استقصائه حد الكشف عن الجزئيات كلها. وكان كراوس يميل الى التحرر من اللاهوت، والسير على مسار يبتعد كثيراً عن الحركات الدينية بتأثير رواقي واضح. أما غولد تسيهر، ونللينو، ومايرهوف، وغيرهم من أساطين الاستشراق مثل: نولدكه، وميللر، وفيدمان الخ.. من عباقرة البحث الأكاديمي الرصين، طوال مائة عام موصوفة بالفترة الذهبية لازدهارها ببحوث الحضارة العربية، من منتصف القرن التاسع عشر الى منتصف القرن العشرين.. كانوا أجمعين يتمتعون برصانة المعرفة وقوة البحث وجدية الموضوعات التي تناولوها، وقد عمل بعضهم في جامعة القاهرة التي تأسست بعد عام 1912، وقبلها الجامعة المصرية التي تأسست في عام 1908، فكانوا أساتذة ممتازين، تتلمذ عليهم الكثير من الرواد الكبار في مصر. وهؤلاء أنجزوا أعمالاً ممتازة، كما فعل طه حسين، وزكي مبارك، ومصطفى عبد الرازق، ومحمود الخضيري وغيرهم.. من الجيل الأول، مروراً بالجيل الثاني: عبد الرحمن بدوي، محمد عبد الهادي أبو ريدة، وابراهيم بيومي مدكور، وأبو العلا عفيفي، ووصولاً الى الجيل الثالث: علي سامي النشار، محمود قاسم، ومحمد علي أبو ريان، وعثمان أمين، وزكريا ابراهيم الخ.. من جيل الأساتذة.والسؤال هل أن المفكرين العرب من هؤلاء قدموا دراسات معمقة حول التراث العربي-الاسلامي- ترقى الى الدراسات التي قدمها المستشرقون المتميزون؟.. هنا يجب أن نلاحظ أن أدوات البحث عند مفكرينا في ذلك الزمان كانت محدودة، إن كان على مستوى الكتاب والبحث وصنعة الدرس الأكاديمي، فكان الأساتذة العرب متميزين بحق رغم ذلك، ولا شك في قدراتهم فيما قدموا من مساهمات جليلة في مجال البحث الموروث، وتحقيق المخطوطات، والتأليف الأكاديمي في استقصاء المعرفة. وهذا الذي نقوله حق لهؤلاء ولايصح وصفهم بالعجز عن تقديم مايرقى لدراسات المستشرقين. هناك عقدة نفسية يعاني منها غالبية المفكرين والباحثين العرب وهي أنهم يشعرون بالنقص تجاه الحضارة الغربية في مختلف تجلياتها ، هل تعتقد أنه يمكن لنا كعرب بخاصة وكشرقيين بعامة أن نتحرر من هذه العقدة ، وكيف يكون ذلك، إن القول بوجود (عقدة) لدى غالبية المفكرين العرب وهي أنهم يشعرون بالنقص تجاه الحضارة الغربية في مختلف تجلياتها فهذا موضوع خطير ومعقد غاية التعقيد!! فأما خطورته فتأتي من أن مثل هذا الزعم لايحقق (الأنا) بل ويلغي (الآخر)، والأصح القول بتحرر (الأنا) من هيمنة (الآخر) بمعرفة (الأنا) فهذا التصريح أقرب إلى حل عقدة النقص، كما تسميها! فنحن مهما حاولنا الحكم على فكرنا بتخليصه نهائياً من مؤثرات الغرب في تفاصيل حياتنا ، فلن نستطيع ذلك ، لأن قاعدة البناء الحضاري هي أننا أخذنا هذه الحضارة الحديثةمن الغرب تماماً كما فعل الاوربيون واخذوا معالم الحضارة العربية من الأندلس والمغرب ، ولم يصف الأوروبيون أنفسهم ، آنذاك بالمعاناة من عقدة نفسية إزاء الحضارة العربية . والمراد قوله ، هنا، أننا لم نستفد من تجربة الأوروبيين الذين استقلوا عن أجدادنا ، كما فعل روجر بيكون في القرن الثالث عشر، ومن جاء بعده ، بينما نحن اليوم نلتصق بكل ماهو غربي دون البحث عن استقلالنا الفلسفي ، كمايرى ناصيف نصار ، لتكوين فلسفة عربية كما يجب . ولكن هذا لايحدث على السياق المعقول ، بل أننا نكثر من قولنا باستمرار : إن هذا وجدناه في الفكر الألماني ، وهذا سمعنا أنه في الفكر الأمريكي وهكذا ، نجد أنفسنا دائماً نضع مرجعياتنا في الفكر الغربي ، كأن كل مالدينا من معرفة إنما يرجع إلى الغرب!! فنحن ، إذن ، نحتاج إلى الاستقلال الثقافي أصلاً، كما نحتاج إلى إرادة في رسم معالم الطريق إلى تحرير (الأنا) من (الآخر) وهنا نصل إلى آخر مانقول.‏

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: