RSS

مهدي المخزومي

 

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم

     لم يكن المخزومي  معروفا في الوسط الثقافي العراقي عامة و النجفي خاصة خلال الثلاثينيات، كما كان زميلاه الشاعران: صالح الجعفري آل كاشف الغطاء، و ابراهيم الوائلي آل حرج ، فهذان كانا من رجال الرابطة الأدبية ، ومن رجال الدين المعممين المدنيين ، الأول نجفي و الثاني بصري. لكن المخزومي كان متحدرا من عائلة ريفية البنية و الطباع ، وهي عائلة ( زاير ادهام)، المعروفة في المنطقة الغربية لميسان ، و ترجع في أصولها الى مخزوم،( و العهدة على الراوي! ) . و كان المرحوم المخزومي قد نشأ في الكتاب ، و درس في حلقات الشيوخ في النجف التي هاجر اليها أهله. ومنذ شبابه ظهرت علائم النبوغ عنده في الدرس النحوي ، و لم يمارس الشعر أو الأدب إلا مزحة!

و عندما حدث الانفتاح في وزارة ( المعارف العراقية ) على الدراسات العليا في القاهرة و السوربون ، كان المرحوم المخزومي من جماعة القاهرة ، و لم تغره فرنسا التي أغرت قبله الشيخ محمد مهدي البصير.و في مصر تعرف على طه حسين وعباس العقاد ومحمد حسن الزيات وزكي مبارك و علي الجارم وأحمد أمين و طه الحاجري …الخ! و لكل واحد من هؤلاء له معه قصة!

وبعد ظفره بالدكتوراه، عاد الى بغداد ، فعين  مدرسا للنحو في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية.فكان واحدا من النحويين الكبار في العراق ، متخذا منهج البصريين في رسم القواعد النحوية، و كتب أبحاثا شكلت بنفسها قيمة علمية خاصة، و كان مناخ دار المعلمين العالية يساعد على الإبداع لتوفر الطاقات الأكاديمية بشكل واضح . و من ذلك لزوم المنافسة الرائعة بينه و بين المرحوم الأستاذ الدكتور الجواري في تيسير النحو ، فنقلا تقاليدالجدل والمماحكة بين مدرستي الكوفة و البصرة الى أجواء الدراسة في دار المعلمين العالية، بين الأساتذة ، كما بين الطلبة!

و يبدو أن سقوط الملكية سنة 1958 الذي قسم الناس، كما في كل زمان، بين طرفي الصراع في العالم ، الشيوعية و الامبريالية ، علاوة على القسمة الطائفية التي لعبت دورا محرضا للقسمة، فوجدنا المرحوم المخزومي مُعتمدا لدى اليسار في إدارة دفة كلية الآداب كعميد ، بينما رأينا المرحوم الجواري ينحاز بكليته الى اليمين ( إن صح وصف التيار القومي باليمين!) و معه المرحومان الدكتور جابرعمر و الدكتور فيصل الوائلي . و سرت القسمة الى الأدباء الذين تزعمهم الشاعر محمد مهدي الجواهري و ساعده المرحومان الدكتور علي جواد الطاهر و صلاح خالص ، و هكذا.. جاء شباط 1963ليرسم محنة جديدة للعراقيين بعد أحداث 1959، فكان من نتائج ذلك الصراع ليس حبس المخزومي لأنه كان عميدا لكلية الآداب فحسب ، بل بسبب الثأر الجماعي من كل ما صدر في الساحة العراقية بين اليسار و اليمين، و اذا سمينا الأشياء بأسمائها : بين الشيوعيين و التيار القومي!

و لجأ المرحوم المخزومي الى المملكة العربية السعودية مع جماعة من المفصولين، منهم المرحوم علي جواد الطاهر، و عاد الى بغداد عندما انفرجت الأحوال بعد تموز1968. و هنا إلتقيت المخزومي زائرا للمرحوم الدكتور كامل مصطفى الشيبي ، فوجدته هاديء الطباع يبحث عن الوسائل التي تجعله يستقرأكاديميا من جديد. وسحرتني شخصية المخزومي ، فلم يمر شهران حتى كان يحاضر علينا في الصرف ، فكان بحق خزانة لغوية غنية. و أشهد هنا أن المخزومي لم يكن لحظة واحدة شيوعيا، كما لم يكن طائفيا بالمعنى الدارج الذي يتعامل به الناس اليوم ، و لكنه كان لا يتنصل من أصوله في الإنتماء و التربية و النشأة ، فكان علم الكوفة النحوي بلا منازع.

وتعرض المرحوم المخزومي الى مضاعفت قلبية ، أدخلته مدينة الطب ببغداد ثلاث مرات ، فكان ينجو بإعجوبة من الأزمات ، فكنت أزوره في بيته يرافقني تلميذه الوفي المرحوم الدكتور عبدالأمير الورد. ولكنه في المرة الأخيرة لم يستطع أن يقاوم ، فتوفاه الله و هو في عز الثقة بعلمه الغزير الذي كلله بتحقيق” كتاب العين ” للفراهيدي بالمشاركة مع المرحوم الدكتور إبراهيم السامرائي،فكان بحق أحد النحويين الكبار في تاريخ موروثنا الفكري!

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: