RSS

دولة الرئيس محمد فاضل الجمالي

 

بقلم : أ.د. عبدالأمير الأعسم

 

     المرحوم الأستاذ الدكتورمحمد فاضل الجمالي، المنحدر من عائلة الجمالي العريقة المشهورة في الكاظمية  ببغداد ،و فيها نشأ وتعلم في الكتاب ، ثم في المدارس الرسمية ، كان من طليعة المهتمين بدراسة التربية في العراق في الثلاثينيات ، و بعد أن تخرج في الجامعة الأمريكية ببيروت ، إنتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على شهادة الدكتوراه في علم التربية، فكان أول عراقي يحصل على الدكتوراه في تاريخ العراق الحديث.

     وعاد الى العراق بعد غيبة سنوات ليكون من محترفي السياسة على نحو تصاعدي سريع بعد تمثيله للعراق في الأمم المتحدة، فلم يلبث أن أستوزر ، ثم عين رئيسا للوزراء ، في مناخ سياسي متلبد بالخصومات الشخصية على وفق قواعد اللعبة السياسية من جهة واللعبة الطائفية من جهة أخرى!

   وصار المرحوم الجمالي من الساسة الذين رأوا أن العراق لن يكون بخير طالما ظل مرتميا في أحضان بريطانيا ( العظمى!) ، فلابد من اللجوء الى القوى المحركة الأخرى في العالم ، و لأنه على الضد من (الإنغلاق) السوفيتي، وجد نفسه مساقا نحو (الإنفتاح) الأمريكي بعد الحرب الكونية الثانية متأثرا بالديمقراطية و الحرية و الإقتصاد المفتوح. و يرجع تفضيل المرحوم الجمالي للسياسة الأمريكية من منطلق أن ليس في مقدور الدول الصغيرة النجاة بقاربها في بحر التحديث دون أن تسير على وفق منهج براغماتي !!

    و برع المرحوم الجمالي في مسائل الإقناع الى الحد الذي صاغ منه رجل مهمات صعبة في تحويل دفة سفينة العراق من بريطانية الى أمريكا! و من هنا كانت مساهماته في تأسيس الأمم المتحدة  في بداية تكوينها في كاليفورنيا سنة 1945، وترأس إحدى دورات الجمعية العمومية بعدذلك . و كان الجمالي واحدا من ألمع ممثلي الدول العربية ( المستقلة وقتذاك ) في بناء هيكلية الأمم المتحدة بعد انتقالها الى نيويورك.

     و لم ينكر المرحوم الجمالي أنه لم يتعاون مع الأحزاب الوطنية من منطلق أن أتباعها يؤمنون بالثورة ،لأنه كان يؤمن بالتطور! لذلك لم تجد محكمة الثورة ، التي عينها المرحوم الفريق عبد الكريم قاسم لمحاكمة رجال العهد الملكي (= العهد البائد) ما يدين شخصية المرحوم الجمالي ، الذي تخلص بإعجوبة من الأحكام الجائرة التي كان يصدرها المرحوم العقيد المهداوي، رئيس المحكمة.بعدها لجأ المرحوم الجمالي الى الأردن، و لكن آثر الإستقرار في تونس لعلاقته الشخصية المتينة بالمرحوم الرئيس الحبيب بورقيبة الذي أصدر قرارا جمهوريا بتعيين الجمالي أستاذا للتربية بجامعة تونس مدى الحياة!

     من هنا تيسرت لي معرفة المرحوم الجمالي أثناء مشاركتي في الندوة العربية عن الإمام الغزالي في القيروان سنة 1985. وكان الجمالي مشاركا في الندوة فقدمني له الصديق الأستاذ أبو القاسم محمد كرو (الكاتب التونسي المعروف، الذي تخرج في دار المعلمين العالية في بغداد أوائل الخمسينيات ، وكان أمين سر أول تنظيم فرقة في حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق) ، فتآلفنا، المرحوم الجمالي و أنا، مدة أسبوع في القيروان و آخر في تونس العاصمة، فكان يحدثني عن مشاعره الجياشة نحو العراق ، فطلبت منه أن يكتب تلك الآراء في مجلة( آفاق عربية)، وفعلا نشر فيها بعض مقالاته.

    كان الجمالي يحتل مكانة بارزة في أوساط الأكاديميين التونسيين. وكان حزينا لأنه ترك مكتبته الخاصة في منزله ببغداد. وأشهد أن منزله ظل مغلقا على مكتبته الى بداية الإحتلال 2003. فقد كنت أمر أمامه كل يوم مرتين في الذهاب الى، و الإياب من، بيت الحكمة! و لا علم  لي بعد ذلك بمصير المنزل و المكتبة بعد أن تعرض العراق للنهب و السلب بعد 9 نيسان! وللأسف توفي الجمالي قبل أن يرى بأم عينه : كيف أن أمريكا التي دافع عن ديمقراطيتها و حريتها و تقدمها العلمي ، هي التي خربت الدولة العراقية التي كان يشعر بالفخر أنه كان من بناة تقدمها حتى 1958!!   

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: