RSS

النقيب أحمد عبدالستار الجواري

 

بفلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم

                                          

أقترن اسم المرحوم الأستاذالدكتور أحمد عبد الستار الجواري بالنقيب ، بسبب باعه الطويل في العمل النقابي نقيبا للمعلمين العراقيين ، و من ثم نقيبا لاتحاد المعلمين العرب. و كان العمل النقابي عندالجواري مقترنا بالموقف السياسي الذي كان ينشط في اطاره.

ان المرحوم الجواري كان علما بارزا من أعلام التربية ليس على صعيد العراق بل على الصعيدين العربي و الاسلامي. فقد تدرج في المناصب الادارية التربوية منذ تكليفه بالمديرية العامة للتربية في وزارة التربية بعد سنة 1958 ، ثم وزيرا للتربية سنة 1963 ، ثم وزيرا للتربية بعد 1968  لسنوات طويلة حتى كلف بوزارة الأوقاف  التي منها تقاعد من العمل الوظيفي.

كما كان المرحوم الجواري من الباحثين المبرزين في الدراسات النحوية العربية على المستويين العراقي و العربي ، حتى أعتبر مجدد النحو العربي ، و سميت نظريته النحوية ب( النحو الميسر ) أو ( تيسير النحو ). و خلاصة آرائه أن النحو العربي ليس جامدا ، و إنما يقبل التيسير كما فعل نحاة الكوفة العقليين ، و معنى هذا كان المرحوم الجواري كوفي المنهج أزاء النصوصيين في المنهج الروائي عند نحاة البصرة الذين كان يتابعهم زميله المرحوم الأستاذ الدكتور مهدي المخزومي.

و من خصائص الدرس النحوي عند الجواري هو إعتماده على التمثيل القرآني ، أي كان يستذكر كل مثال لمسألة نحوية من آيات القرآن على نحو نادرفي الحفظ الإسترجاعي ، فاذا لا يتوفر هناك أي مثال قرآني ، تضعف ، عنده ، القاعدة النحوية لأن مقاصد الآيات هي التي تحكم القاعدة النحوية و ليس العكس كما يرى الكوفيون! و من الغنى الذي يميز محاضرات المرحوم الجواري أنه كان يستدل بجمل و عبارات الآيات على نحو مقارن غير قابل للشك ، فيستعمل ، كل ما في المعاني ال عقلية من دلالات الناسخ و المنسوخ . إن  الصياغة التي إستقر عليها اللفظ القرآني تتطوربتطور  المعاني و ليس بتطور الألفاظ. و من هنا ، أنتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي ، و كان عضوا مشاركا في مجمع اللغة العربية في القاهرة  ، و عضوا مراسلا للمجمع الملكي الغربي.

لكن إنشغال المرحوم الجواري بالعمل النقابي و السياسي ، أبعده كثيرا عن مناخات الحياة  الأكاديمية ، الجامعية و المجمعية ، فبقي حجة في أقواله بالمشافهة أكثر منها بالتحريرو التنصيص. و أذكر هنا أنه تزعم القائمة التي رشحته نقيبا سنة 1959 ، باعتبار أن خطه القومي العروبي هو السائد في أوساط المعلمين بعد محنة تجربة العراق في الصراع بين الشيوعيين و القوميين 1958-1959. و قد بلغ المرحوم الجواري من قوة العزم حتى أنتخب نقيبا لإتحاد المعلمين العرب ، فطبع الإتحاد بطابع عروبي يعتز بالاسلام دينا وحضارة.

عرفت الأستاذ الجواري سنة 1965 عندما ألقى علينا محاضراته في النحو، فبدأ ب “أوضح المسالك ” و انتهى بنا يعد ثلاث سنوات سنة 1968 ب “المغني اللبيب ” و كلاهما لابن هشام الأنصاري الذي لمسنا احترام الجواري له على نحو منقطع النظير. وقد كانت علاقاته بطلابه متميزة بالألفة و الصداقة و الاحترام ، و لذلك كان رحمه الله ملجأ الجميع في حل مشاكلهم الحياتية أيضا ، و من ذلك تشجيعه لي لدراسة الدكتوراه، لكنه لم يكن يميل الى بريطانيا في دراسة الفلسفة العربية في الإسلام معتبرا أن ما هو موجود من قوة الدراسات الفلسفية في مصر ايذان بالانفتاح على الدرس الحقيقي للفلاسفة العرب. و لما لم أذهب الى مصر ، بل ذهبت الى بريطانيا ، بارك عملي و طلب مني الإلتزام بالعروبة و الاسلام. و فعلا ، زرته في مكتبه وزيرا للتربية عند عودتي من جامعة كمبردج 1971  ، قال لي : ” أدعو لك بالتوفيق ، و سيكون لك شأن في الدراسات الفلسفية بجامعة بغداد ” ، و فتح تلفونه المباشر على الأستاذ الدكتور سعد عبد الباقي الراوي رئيس جامعة بغداد يطلب منه تسهيل موضوع تعييني بجامعة بغداد ، دون أن أطلب منه ذلك ! و بعد عامين ، في آب 1973 صدر القرار بتعييني المستشار الثقافي في سفارة العراق بجدة . و عندما تساءلت عن الذي قام بترشيحي لهذا المنصب ، فأكد علي غير واحد من العارفين ببواطن الأمور : أنه الجواري! و كانت لي فرصة أن أكون مصاحبا له ، أثناء زيارته للسعودية ، في أداء العمرة.

وليس غريبا على الدارسين أن يتغير منهج البحث عندهم بين الماجستير و الدكتوراه. وهذا ما حصل عند المرحوم الجواري ، فقد كتب رسالة الماجستير في القاهرة تحت عنوان ” الحب العذري : نشأته و تطوره ” و التي طبعها في كتاب برأسه في دار الكاتب المصري بالقاهرة  سنة 1948. فانقلب بعد الدكتوراه من تاريخ الأدب العربي الى تيسير النحو العربي وظل ملتزما بالمنهج الأخير على مدى أربعة عقود لم يتزحزح عنه. و مع ذلك ، يبقى كتابه عن ” الحب العذري ” واحدا من أهم المراجع في موضوع  الحب في تاريخ الأدب العربي .

و في الجانب السياسي ، لم يكن المرحوم الجواري من الناحية الأيديولوجية مرتبطا بحزب ، مع أنه تعاون مع القوميين ، و حسبه الناس من البعثيين! و في حقيقة أمره كان يوثر الصلات الشخصية جدا مثل صلته بالمرحوم الرئيس أحمد حسن البكر، فعلاقتهما تعود الى سنة 1963 ، و ربما قبلها ، و كان المرحوم الجواري محسوبا على جماعة الرئيس البكر كلما تحدث المحللون السياسيون الشغوفون بقراءة الأحداث من الأشخاص. و كان الكثير من هؤلاء لايرى المرحوم الجواري من المحسوبين على المرحوم الرئيس صدام حسين. و الواقع العملي لا يشير الى ذلك على نحو صحيح ، فلقد استوزر المرحوم الجواري مرتين في عهد الرئيس صدام حسين ، ولم يتعرض لأية ضغوط ظاهرة ، فيما نعلم ، حتى تقاعده الوظيفي!

أما مواقف المرحوم الجواري من الانتساب الى النسيج الإجتماعي و الديني ، فقد كان شافعي الفقه أشعري العقيدة. و أشهد هنا أنه كان نموذجا في الصلات الحميمة بين أطراف المذاهب و الديانات في العراق خصوصا عندما كان وزيرا للأوقاف. و للأسف ، و هذا شأن المتطفلين في السياسة و الدين ، حسبه البعض الموتور بالطائفية أنه كان يجامل طائفة على حساب أخرى. و هذا لم يحصل مع الجواري أستاذا مع طلابه، و مديرا عاما مع منتسبي دائرته، ونقيبا مع  جمهور المعلمين العراقيين و العرب ، و وزيرا مع منتسبي وزارته في التربية و الأوقاف. و كل ما نسب اليه كان من ترويج الطائفيين السلفيين من كل إتجاه. لقد كان الجواري علما عالما مبرزا  كبيرا لن يجود بمثله الزمان في وقت قريب. و كان صوفي النزعة، و نزيها ، و أمينا ، و صادقا في ما قال و كتب و فعل. رحم الله الجواري و هو ينعم بالراحة الأبدية ، فلا يعلم ماذا جرى و يجري في العراق منذ آذار 2003 !!

 

 

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: