RSS

النحوي إبراهيم الوائلي

 

 بقلم:أ.د. عبدالأمير الأعسم

 

ولد المرحوم الأستاذ إبراهيم الوائلي في حوالي البصرة سنة 1914 ، و نشأ و ترعرع فيها ، ثم انتقل مع عائلته الى النجف ، فبدأ حياته فيها خطيبا وشاعرا متأدبا محسوبا على رجال الدين شكلا ، ولم يكن كذلك في جوهره، فقد كان عصري الهوى، محبا لحياة بغداد التي عشق فيها حب الجماعة في مقاهيها و مجالسها أكثر مما كان متيسرا لديه في النجف. و دخل منافسة الدرس و التحصيل للدراسات العربية ، ففاز ببعثة علمية الى دار العلوم في جامعة القاهرة سنة 1949 و تخرج فيها سنة 1953، فسجل مباشرة في الدراسات العليا لنيل درجة الماجستير التي  حصل عليه سنة 1956، فعاد للعراق و إشتغل بالتدريس ردحا من الزمن مدرسا للغة العربية في الإعدادية المركزية ببغداد 1956-1958.

عرفت الأستاذ الوائلي بداية صيف 1956 ، عندما سكن و عائلته قرب مسكن عائلتي. و كان يرتبط بوالدي بمودة التحية و السلام ، و كذلك إرتبطت أنا مع إبنه البكر الزميل القديم المرحوم عبد الاله الوائلي ، فكنا زملاء مدرسة واحدة في الكرخ. و عندما حلت أحداث السويس في خريف سنة 1956 ، كنا، عبد الاله  و أنا ، شابين يافعين ، فإشتركنا في مظاهرات تأميم القنال  التي عمت بغداد . فكان هويتمرد في الإعدادية المركزية بالرصافة ، و كنت أنا أتمرد في إعدادية الكرخ. و عندما أغلقت المدارس أبوابها، كنا نلتقي في بيتنا أو في بيت الوائلي. و كان الأستاذ ابراهيم  يجالسنا فيحدثنا عن الوطنية بمختلف مراتبها و أنواعها ، وكان حديثه مقرونا دائما بالشعر الوطني ، و أذكر على سبيل المثال قصيدة أبي القاسم الشابي ( إذا الشعب يوما أراد الحياة…) التي كانت تلعلع في راديو صوت العرب مختلطة ببيانات المذيع المشهور أحمد سعيد!  لم يكن  الأستاذ  ابراهيم يكتفي بقراءة الشعر الوطني لنا ، بل كان يحدثنا عن ثورة العشرين ، وعن حزن العراقيين لإغتيال الملك غازي ، وعن ثورة العقداء الأربعة  و ما اعتورها من احباط ، … الخ من القصص و الحكايات التي زرعت فينا التطلع المباشر لما كان يحدث في العراق!

و ليس من عادة الأستاذ الوائلي الجلوس في البيت ، فقد أجبرته الأحداث الجارية آنئذعلى أن يبقى معظم وقته قرب المدفأة يسامر من يزوره ، و منهم السيد علي اللقماني  والسيد محمد علي كمال الدين ، و غيرهما… فكانت فرصة لنا أن  نسمع أحاديثهم المختلفة ، و بخاصة ما يدور من كلام المجالس الثقافية عن المرحوم  الأستاذ الدكتورعلي الوردي الذي كان شاغلا للناس في ذلك الوقت ، بين معجب و مستنكر! و من عجب الأشياء ما كان يرويه المرحوم ابراهيم الوائلي عن خيانات دينية و اجتماعية و سياسية كان لها الأثر الكبيرفي إستحواذ  الانكليزعلى مقادير البلاد !!

و الوائلي كتب رسالته في مرحلة الماجستير عن ” الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر” ، فكان بهذ المعنى خبيرا بالمعترك السياسي العراقي وجذوره قبل قرن من الزمان. و لكن علم الوائلي الدقيق لم يكن في تاريخ الأدب فقط ، بل كان  شاملا لعلوم العربية ، و قد كرسها في علم النحو، فصار إماما في النحو بعد أن انتقل عمله سنة1958 الى  قسم اللغة العربية في كلية الآداب و نال مرتبة الأستاذية فيه. و من ذلك انه كان يحاضر على طلبة الدراسات العليا في النحو ، كما كان يشرف على رسائل ماجستير و دكتوراه في النحو.

ومع ذلك ، يبقى المرحوم الأستاذ الوائلي واحدا من شعراء العرق البارزين المسكوت عنهم في القرن العشرين ، و له ديوان شعر ، طبع في جزأين / 1981-1982 ، يطفح بالوطنية والفكر و الوجدان على نحو يظهره بقامته المديدة بين زملائه الشعراء الكبار المسكوت عنهم مثل زميله القديم في الرابطة الأدبية في النجف المرحوم الأستاذ صالح الجعفري. و المؤسف له أنني لم أر للوائلي ذكرا في ما أرخ المعاصرون حركة الأدب و بخاصة الشعر، و هو أمريدل على أن مؤرخي الأدب العراقي المعاصرين ، و أغلبهم من الحديثين من حملة ماجستير و دكتوراه ، و معروف لنا أن مثل هؤلاء غير منصفين لوقوعهم في دوائر سحر العلاقات الشخصية!!

كنت ألتقي بالأستاذ الوائلي في مكتبه بقسم اللغة العربية سنة 1973،  فكان يسر لزياراتي له ، معتبرا ما كنت أقوم به دليل وفاء لأستاذه ، خصوصا كنت في حينها نائبا لعميد كلية الآداب. وكان يتوسطني طلابه في الدراسات العليا لكي  أشرح له ظروفهم ، فكان يتجاوب مع إحتياجاتهم . و كان يلح علي دائما ، كلما رأيته في مجلس ، بأن أنشر ديوان جدي الشاعر عباس الأعسم ( خال المرحوم  المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي و أستاذه ) ، لأن الشعر العراقي في القرن التاسع عشر و مطلع العشرين لا يفهم  بكل أغراضه و مزاياه ، برأي الوائلي ، إلا بالتعرف على شعرائه كافة.

و تقاعد الأستاذ الوائلي بعد أن شاخ ، وإعتكف في بيته ، يقرأ أحيانا و يكتب في أحيان أخرى ، و يزوره الطيبون من زملائه و الأوفياء من طلابه. ولم أنقطع عنه ، فكنت أزوره بين حين وآخر . و أذكر آخر زيارة كانت برفقة إبنه البكر ( الصديق و الزميل القديم  المرحوم عبد الاله الوائلي) ، فكانت جلسة مفعمة بالمحبة و الذكريات،  و بالحديث عن نشاطي الأكاديمي ، فكان مسرورا لأنني نلت الأستاذية، و برأيه أصبحت من الفلاسفة الذين يثق بهم ثقته بالمرحوم الأستاذ مدني صالح. فالوائلي أصلا لم يكن يميل للفلاسفة ، مع أنه ذو باع طويل في علم المنطق. و تبريره لذلك ، أن المنطق يتشابك بنيويا مع علم النحو بشكل لا ينفصمان.

و الغريب ، توفي الأستاذ الوائلي  في 15 نيسان 1988، و لم يكن يعرف بوفاته أقرب الناس له ، بل حتى ان كلية الآداب لم ترفع ( يافطة الإعلان عن و فاته)  إلا بعد أيام ، فكانت تلك هفوة لم نغفرها لعمادة كلية الآداب و رئاسة جامعة بغداد. و طوى التاريخ الأدبي و النحوي علما من أعلام العراق الذين إمتد فضلهم الى المئات من الطلبة و العشرات من الأساتذة خلال ثلاثة عقود( 1958-1988 ). فهل  ينسي الناس الرجل الأنيق الذي لا تسقط سيكارته من فمه ، و يمشي بهدوء مرفوع الرأس يتحدى كل الذين وقفوا ضد تقدم مسيرته العلمية. و أذكر هنا قوله لي في آخر زيارة له:” سمعت أنك تمد يد العون لكل طلابك ، و هذه  مزية من مزايا الأساتذة الأفاضل من ذوي النفوس الكريمة ، لكن هناك طلبة أسوأ من الأعداء ،إذا طمعوا بك و بنفسك الكريمة”! في حينها فهمت ملاحظة الأستاذ الوائلي ربما لعقوق بعض طلابه بعد أن صار قعيد البيت ، لكن لكلامه الآن في نفسي صدى يؤكد أن الطالب الخسيس لا يظهرإلا بعد أن يتقاعد أستاذه ، فلا يكون إلا إسوة سيئة لجيل قادم! و المرحوم الوائلي كان يردد دائما قول المتنبي :

” إذا أنت أكرمت الكريم ملكته…………. و إن أنت أكرمت اللئيم تمردا ” !!

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: