RSS

الناقد عناد غزوان إسماعيل

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم              

الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي 

 

      تعرفت على الدكتور عناد غزوان سنة 1967،بعد عودته مباشرة من بريطانيا. فقد  كان يمتليء بالحيوية و النشاط الى الدرجة التي تتصوره لن يتعب في إلقاء المحاضرات الواحدة تلو الأخرى، كأنه حفظ على ظهر قلب كل الأقوال و الأمثلة والأشعار، فيقرؤها قراءة و هو ينظر اليك من خلف نظارته ليشعرك أنه لايقرأ فعلا بل يستذكر ما يقول من خزين ممتاز في ذاكرته! و صرنا صديقين حميمين ، فكنت أستكشف فيه في كل مرة مسألة مهمة، كما كان يكتشف هو في في كل مرة موضوعا جديدا ، حتى خريف 1968 ، فافترقنا ثلات سنوات ، إذ سافرت الى بريطانيا لدراسة الدكتوراه.

ولد الدكتور عناد ، و نشأ و ترعرع في الديوانية التي ظل يحمل لها في ذهنه أنواعا من الصور الجميلة التي كانت تذكي حياته باستمرار. و عندما أكمل الدراسة الثانوية فيها، انتقل للدراسة الجامعية في بغداد ، فانتظم طالبا في قسم اللغة العربية في كلية دار المعلمين العالية ، و تخرج فيها ، ثم بعد مدة قصيرة سافر ضمن البعثة العلمية الى إنكلترا لدراسة الدكتوراه في الأدب العربي في مدرسة الدراسات الشرقية و الأفريقية.و استغرقت دراسته ست سنوات 1960-1966 تنقل بين جامعة و أخرى في ظروف غامضة حتى إستقر في جامعة درم Durhem بعد أن أهدر سنتين  1960- 1962من دراسته للغة الانكليزية،  و تنظيم قراءته البحثية وفق سياقات دوائر الاستشراق. و في سنة 1966 ظفر بالدكتوراه من درم في موضوع القصيدة الجاهلية.

و حياة الدكتور عناد في بريطانيا مفعمة بالتغيير و التبدل، و أهم أمر تأثر  به و أثر فيه، هو زواجه من السيدة رائد ، و هي انكليزية صميمة، كانت في البداية مصدر طمأنينة له أثناء الدراسة، ثم صارت مصدر قلق لحياته الجامعية الجديدة بعد عودته الى العراق و عمله مدرسا جامعيا ، فلم يوفق بالاستمرار معها حتى عادت الى انكلترا ، فاضطر الى طلاقها بعد أن ضمت إبنهما البكر ” رائد ” اليها !فكانت هذه المسألة جسيمة التأثير على حياته ، لكنه لم يلبث بعد حين أن نسي  إبنه (رائد) و أمه ، و تزوج بسيدة قزوينية ( من الحلة أصلا ) كان يذكرها لي باستمرار بحسبانها فنانة و تدرس في أكاديمية الفنون الجميلة، و هي التي لازمته بقية حياته  الى وفاته بعد أن أنجبت له.

كان الدكتور عناد طموحا جدا، لكنه كان يتأثر بالعلاقات الى حد التفريط بأصل القضية!و من ذلك أنه حسب على اليساريين ، و هو أقحام له في مواقف طائفية و مذهبية  لم يكن هو نفسه يؤمن بها ، فأثر ذلك في طموحه لتصوراته أن يحارب لانتماء جغرافي أو مذهبي ! لكني كنت أذكره دائما ، بأن ليس بالضرورة أن يكون جيلنا تنطبق عليه صفات جيل الأربعينيات و الخمسينيات ، فالمسحة السياسية العامة لما حدث بعد تموز 1958 تدل على أن ليس الطبيعة الجغرافية أو الخارطة المذهبية يمكن أن تصنعا المواقف الحقيقية التي تنظم الحياة الاجتماعية ، بل إن الخضوع لتيارات الغرب هو الذي يجعل من الأشياء فاقدة لخصائصها!

شغل المرحوم الدكتور عناد وظيفة عميد كلية أصول الدين ( الأهلية ) ببغداد 1974-1976، كما شغل عدة مرات منصب رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة بغداد. و لكنه كان ينأى عن هيئات النوادي و الجمعيات و الاتحادات  عى نحو غير مألوف لشخص مثل الدكتور عناد. لكنه في مطلع التسعينيات رأس جمعية المترجمين ، و كان عضوا في المجلس الأعلى للجمعيات و الاتحادات في العراق ، و صار رئيسا له بالوكالة 1993-1994، ثم رجع الى رئاسة قسم اللغة العربية في كلية آداب بغداد 1995 .

كان الدكتور عناد غزوان مؤثرا في طلابه، خصوصا الذين درسوا عليه في الدراسات العليا ، و هو مقل في التأليف ، و كنت أرغبه دائما إما بنشر أطروحته للدكتوراه بالانكليزية أو ترجمتها و طبعها بالعربية. والعجب كان يرفض الطريقتين ، وكأنه لم يكن يريد أن يبعث حياة أعتبره قد مات منذ 1966!و الغريب ، أيضا، أن منشوراته لم تتناسب مع اجتهاده و معرفته الواسعة ، فقبل بالقليل على حساب شهرته و انتشاره. و هذه مسألة مدهشة أن لا ينتشر كثيرا خارج العراق، و ظل أسمه ” عناد غزوان ” يتناقله الجامعيون في بغداد و هم لا يعلمون أن اسمه في جامعة درم هو ” عناد  غ. إسماعيل “! و لم يفصح الدكتور عناد و لا في أية مرة: لماذا تمسك بصياغة اسمه على هذا النحو.

استطاع الأستاذ الدكتور عناد غزوان إسماعيل أن يكون واحدا من أبرز النقاد النظريين في العراق طوال أربعة عقود  منذ 1966، و لم يتوقف عن التدريس حتى وفاته. لقد توفي الدكتور عناد بعد أن ناهز السبعين ، و بعد أن كان عضوا قديما ومؤسسا لاتحاد الأدباء و الكتاب العراقيين. و على الرغم من أني أشهد على وطنية الأستاذ غزوان ، و صدق مبادئه في الحياة العملية ، فقد  طوى أسراره في ذاته و أخذها معه الى القبر، رحمه الله.

 

   

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: