RSS

المهندس منير المظفر

 

بقلم:أ.د. عبدالأمير الأعسم

    تعود الناس أن يقرأوا ما يكتبه الطلاب عن أساتذتهم ، لكني هنا أكسر هذه القاعدة، فها أنا ذا أكتب عن واحد من ألمع طلابي خلال عمري التربوي لنصف قرن ، هو الأستاذ الدكتور المهندس منير محمد رضا المظفر. وقصدي الأخلاقي من هذا المقال أن أذكر بعض طلبتنا الذين ملأنا عقولهم علما ، فكبروا و كبرت أحلامهم ، لكنهم لم يوازنوا بين تطلعاتهم المشروعة و غير المشروعة ، و من ذلك تناسوا أثر الأساتذة فيهم أو أنكروه بحسبانهم هم الذين إخترعوا معرفتهم و ليس من باب الأخذ المستمر من أولئك الأساتذة ، فيلغون قاعدة ” من علمني حرفا…” ، و كثرت هذه الظواهر في المجتمع الجامعي بعد الحصار 1991 ، و تفاقمت بعد آذار 2003!

و أشهد أن الدكتور منير المظفر لم يكن في يوم من الأيام إلا الوفي الملتزم ، لكل كبير، فكيف بأساتذته؟ خصوصا إذا عرفنا أنه إكتسب الأخلاق الرفيعة من (خالنا) المرحوم والده العلامة المنطقي الكبير الشيخ محمد رضا المظفر، مؤسس منتدى النشر ، و مؤسس و عميد كلية الفقه،  و عضو المجمع العلمي العراقي. فقد تربى منير ونشأ في منزل علم يتعامل مع الكتاب كأنه خبز يومي ، كما كان والده الشيخ المنطقي يدرس منير و أخوته في أي علم من  العلوم! و أذكر مرة كنت في زيارة لخالنا الشيخ فوجدته يدرس بعض أولاده الهندسة المجسمة و الفيزياء و الرياضيات.فزاد اعجابي بالشيخ ، رحمه الله.

سنة 1958-1959 الدراسية ، كنت أدرس دبلوم تربية ، و في الوقت نفسه كنت أمارس التعليم في مدرسة منتدى النشر. فكان منير طالبا في الصف الخامس الابتدائي يشاركه منضدة الدرس ابن عمه (العقيد المهندس البحري سعيد محمد حسين المظفر) ، فكنت أدرسهما مع زملائهما جغرافية العالم ، و التاريخ العربي. و كان منير ألمعيا من ذلك الوقت ، حتى إذا انشغلت بالتدريس ، سمعت عنه تفوقه في الثانوية العامة 1966 فدخل الى كلية الهندسة، و تخرج فيها1971  متخصصا في الهندسة الميكانيكية.و لم يلبث أن إلتحق بالبعثة العلمية لدراسة الدكتوراه في لندن.و إستغرقت دراسته سنوات في الحصول على الدكتوراه ، و لأنه كان منشغلا في قيادة تنظيم الطلبة العرب بلندن. و بعد ظفره بالدكتوراه عاد للعراق سنة 1982 ، وعين في الجامعة التكنولوجية / قسم الهندسة الميكانيكية. فكان نشطا جدا على صعيد عمله الجامعي و عمله الحزبي. وكنا نلتقي في بعض المناسبات التي تقتضي لقاءنا العائلي أو الإجتماعي ، و اتسمت علاقتنا بالحميمية  حتى وجدته في أكثر المناسبات يصرح بتلمذته علي ، وأنه ، وإن إختص بالهندسة، لكنه يبقى مرتبطا بالمنهج الأخلاقي الذي أشعته في تدريسه و زملائه و هم صغار!

و من جهتي ، كنت فخورا بالمرحوم منير ، مهندسا ، و أستاذا ، و مناضلا، حتى  حانت فرصة الجمع بيننا، بذلت جهدا حقيقيا في ذلك. ففي السنة الأولى لتأسيس كلية الآداب بجامعة الكوفة،بادرت الى فتح قسم إقتصاد ، لم يلبث أن إستقل وصار كلية الإدارة والإقتصاد. و في الوقت نفسه ، شرعت بتكوين نواة كلية الهندسة ، من أثاث و مستلزمات ، فدعوت الوزير الدكتور همام عبد الخالق لرعاية الندوة السنوية لكلية الآداب ، و في أثنائها طلبت من الوزير أن يطلع على هديتي له بتأسيس كلية الهندسة. و فعلا و افق الوزير ، لكنه طلب مني أن أرشح له عميدا لكلية الهندسة كما فعلت بالنسبة لكلية الإدارة و الإقتصاد. و بعد يومين رأيت الدكتور منير ، و في اليوم الرابع رأيت الوزير، و في اليوم السادس قابل الدكتور منير الوزير ، و في اليوم العاشر صدر قرار الوزير بتعيين الدكتور منير مظفر عميدا لكلية الهندسة في جامعة الكوفة. وفي عطلة نهاية الأسبوع زارني ببغداد و معه ابن عمته و صديقه الدكتورحيدر كمونة ،أستاذ جغرافية تخطيط المدن بجامعة بغداد ، فبدا منير متخوفا مترددا من الالتحاق بعمادة هندسة الكوفة! و لم يملك أي تبرير لهذا التخوف و التردد إلا القول إنه لا يحب العمل في مدينة يتكرس فيها أهله و ذووه و عشيرته !! و الحق كان مع منير فقد عانى كثيرا على مدى سبع سنوات في الذهاب الى ،و الإياب من ، جامعة الكوفة. و كنت أنا قد إنتقلت من عمادة كلية الآداب أواخر 1994، و كلفت بعمادة الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة عند تأسيسه 1995، فإفتقدني منير معضدا لمشرعاته ، إن كان على مستوى الدفع أو الاسناد. و لكنه ، و الحق يقال : أنجز عمله بتقدير متميز بتأسيس كلية الهندسة.

و في أثناء عملية إحتلال بغداد ، زارني منير للإطمئنان على و كان معه الدكتور كمونة، (كانت بيوتنا متقاربة )، و لم نتحدث كثيرا ، لأنه ” لم يبق في القوس منزع ” ، و ضاع العراق ..فخرجت منه الى عمان فأبوظبي ، فعدن آب-ايلول 2003 ألبي دعوة الدكتورصالح باصرة رئيس جامعة عدن لأكون أستاذا زائرا فيها. و هناك ، بعد زمن وصل الي خبر وفاة تلميذي و صديقي و زميلي المرحوم الدكتور المهندس منير محمد رضا المظفر، بعد صراع مع مرض عضال ، غلبه و انتصر على قوة شبابه و غيب ما أنجزه في ضوء الفوضى بعد 9 نيسان 2003!!

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: