RSS

المفكر مدني صالح

 

بقلم:  أ.د. عبدالأمير الأعسم         

الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي

 

إن الكتابة عن المرحوم الأستاذ مدني صالح ليست بالأمر اليسير، لأن الأستاذ مدني يمثل شخصية مركبة ، مكوناتها تتألف من بنيته الذاتية الموصوفة بالصلابة و الصبر و التأني ، و من بنيته الموضوعية التي تداخلت فيها تربيته و تعليمه و مسيرته الإجتماعية ، و من بنيته الأكاديمية التي أثر فيها و تأثر بها ، فكان مستقلا في الرأي و المنهج على نحو متميز بين زملائه الأكاديميين من جيله.

 

لا أعتقد أننا الآن في معرض تقويم الأستاذ مدني ، بل اننا نحتاج الى قراءة مدني  و نتصفح فلسفته التي بنى عليها مقاصده و غاياته طوال 41 عاما منذ عودته من جامعة كيمبردج (بريطانيا) 1966 و انتمائه لقسم الفلسفة الذي بقي فيه و لم يغادره حتى وفاته، ما عد ا ثلاثة أعوام قضاها معارا للجزائرنهاية السبعينات . و معنى هذا أن الأستاذ مدني خدم في قسم الفلسفة أكثر من أي عضو فيه منذ تأسيسه حتى يومنا هذا.

 

ولد الأستاذ مدني في هيت  1931 ، و تعلم فيها و في الرمادي و انتسب الى كلية الآداب ببغداد و تخرج فيها سنة 1952 فكان من الرعيل الأول من خريجي قسم الفلسفة بجامعة بغداد. و لتميزه إعتلى منصة المرتبة الأولى على وجبته في التخرج ، فتسنت له فرصة البعثة العلمية للدراسة في بريطانيا ، فكان طالبا في جامعة كيمبردج حتى ظفر فيها على الماجستير                                                                   سنة 1966 بعد مسيرة  سبعة أعوام في أروقة وقاعات و مكتبات الجامعة  التي غرف منها معرفة واسعة بالأدب يقل نظيرها بين زملائه المتخصصين بالأدب الانكليزي و الأدب العربي ، علاوة على تعمقه في الفلسفة التي هيمنت على فكره العام و فلسفته الخاصة ، فكان قارئا ممتازا لتاريخ الفلسفة يونانية وإسلامية و حديثة مما أهله فيما بعد لأن ينزع في محاضراته الى استرجاع تلقائي لقراءاته الفلسفية حيثما تحدث عن وجهة نظر أو فكرة أو قضية تبسط أمام طلابه منهجه العفوي .

كان الأستاذ مدني مقلا في نشر الكتب و الأبحاث الفلسفية  ، فانجازاته لا تتناسب  مع عمره الأكاديمي الطويل ، فقد شغلته كتب ألفها إخلاصا منه للأدب العربي ، و مقالات لا تحصى في الصحافة إلتماسا منه لإشاعة الدرس الفلسفي عند الناس و بأسلوب فريد إخترعه إختراعا فصار بمرور الزمن من خصائصه التي يصعب التشبه بها بتكرار العبارة و تأكيد الجمل و انتقاء الألفاظ  و انتهى الى أسلوب خاص يمكننا أن نسميه  الأسلوب  المدني (نسبة اليه ).

إرتبط الأستاذ مدني بزملائه الأكاديميين بعلاقات حذرة ، فكان يتحرز في مد الصلات مع الأساتذة في كل الظروف. و قد فسره البعض بالغرور ، أو عدم الثقة بالآخرين ، أو إحساسه بقلة بضاعة زملائه في المعرفة ، أو معاناته من إكتئاب شخصاني أنعكس على سلوكه العام داخل أروقة الجامعة. لكن ذلك لم يمنع من إرتباطه بصداقات حقيقية مثل صداقته للمرحوم الدكتور جلال الخياط ، زميله في  جامعة كيمبردج و من ثم كلية الآداب بجامعة بغداد. و يستطيع الكثير من الأدباء و الكتاب إدعاء صداقتهم للأستاذ مدني ، لأنه كان دمثا ، رقيقا، يرد على كل تحية و سلام ، لكنني أشهد أنني عاصرت الأستاذ مدني من 1971 حتى 2003 فلم أسمع منه بتسمية صديق على الاطلاق غير المرحوم الخياط ! و كان يسمي الآخرين بالزملاء دون صفة أخرى.فكأنه كان يؤمن بالصداقة بحسب أرسطوطاليس الى حد  التقديس!

أما علاقاته مع طلبته ( من الإناث و الذكور) متشابكة بالود و الإحترام  بلا نفاق

لأنه كان يكره نفاق الطلبة مع زملائه الآساتذة و ينزعج ممن يتودد كذبا لأستاذ ، و يغضب لرؤية الطلبة يكذبون ، فكان من شيمته الصدق في العلاقة بين الأستاذ و الطلبة ، و هكذا كان  معلما ( كما كان يسمي نفسه) لطلبته أكثر من محاضرا، و يقف على البعد نفسه من طلبته جميعا ، مهما كانوا ، و من أين أتوا، و كيف وصلوا لقسم الفلسفة أو الأقسام الأخرى التي درس فيها. و تجاوز الأستاذ مدني كل زملائه ممن عاصروه  بخلق علاقات إنسانية منهجية مع طلبته في الدراسات الأولية و العليا. كان الأستاذ مدني محبا لطلبته ، فنال حبهم وظفر بتقديرهم و عاش معهم  كريما و نزيها .

ويهمني أن أشير الى نزعة الأستاذ مدني الصوفية ، فقد رأيناه لم يكن يحب أن يمدح ، كما لم يكن يميل الى التجمعات حتى لو كانت تخصه، فقد قررنا تكريمه في الجمعية الفلسفية سنة 1998 لبلوغه السبعين في قاعة القصر الأبيض ،لكنه جاء لزيارتي في منزلي القريب لمنزله عصر يوم الإحتفال به ، و طلب مني بكل ود      و لطف ، أن أعفيه من الحضور، وكانت حجته أنه  لا يحب أن يسمع آراء الآخرين فيه ! و عندما بينت له بأني سأضطر لايضاح سبب غيابه على الملأ ، قال : أي   نعم.. لابأس و بلغهم تحياتي و السلام. و كان له ما أراد ، فقد احتفلنا به  مخلصين  و هو غائب ، كما نفعل اليوم ، و لكن غيابه هذه المرة ليس بطلب منه ، وإنما لأنه  غاب عن الدنيا كلها ،و ها نحن نناغم روحه الشفافة  لأن تكون بيننا في مسرة.

 

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: