RSS

المستنير علي الوردي

 

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم      

الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي

 

ترجع شهرة الأستاذ الدكتور علي الوردي عند الباحثين العرب الى كتابه منطق ابن خلدون، بينما يرجع  ذيوع صيته عند الناس الى كتابه وعاظ السلاطين، والفرق بينهما واضح : فالأول كتاب أكاديمي كان في الأصل أطروحة الدكتوراه  (من جامعة تكساس)، بينما الثاني كتاب فكري يؤرخ لإشكاليات إجتماعية  في سياق تكوين العقائد الدينية و تصادمها بين المذاهب في الاسلام. و كانت نظريته في تحليل الشخصية العراقية قد تبلورت لديه منذ فطن الى اشكالياتها بعد تخرجه في الجامعة الأمريكية ببيروت سنة 1943، مرورا بالدراسات العليا بتكساس 1948 و 1950 الى أن انتهى في الثمانينات من عرضه  التاريخي لنمو هذه الشخصية و تطورها الاجتماعي في كتاب لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث.

و المرحوم  الوردي  ، الذي ولد في الكاظمية سنة 1913 ،كان أول مؤلف عراقي واسع الانتشارالى الحد الذي كانت طبعات كتبه تبلغ عشرة آلاف نسخة! و سبب ذلك انه لم يكن يكتب للأكاديميين فحسب، بل قصد أيضا الى عامة الناس الذين إعتقد  الوردي أنهم مادة المجتمع و حركة التاريخ. و هذا ماحشد له جمعا هائلا من الحساد و الخصوم من كل اتجاه، فقد أفصح عدد  من المثقفين عن تقاطعهم التام مع فكره و منهجه ، كما فعل التربوي المعروف عبدالرضا صادق وآخر من آل الوردي ( من أقاربه الورديين في الكاظمية). و كذلك تصدى له رجال الدين، و في المقدمة منهم السيد مرتضى العسكري الذي مثلهم في  الرد على الوردي باعتبار أن أفكاره تشاكس رجال الدين. و الصحيح أن أفكار الوردي كانت لا تعرف المهادنة مع السياسيين و المثقفين و الدينيين و الشخصيات الاجتماعية!

وتعرض المرحوم الوردي للمضايقات من الاتجاهات الاجتماعية المختلفة (!!) و أثناء غيابي عن العراق للدراسة 1968-1971، إزدادت الضغوط على حركة الوردي ، فكانت الحكومة تراقبه و تترصد أفكاره، وكان خصومه يفعلون ما يريدون من تشويه لأقواله بلا محاسبة. و كان اضطهاد الوردي ليس من عامة الناس بل   من  المثقفين الراديكاليين من رجال الكاظمية،فكان يحتدم الجدل بينه وبينهم بلا طائل !   و قد شكى الوردي غير مرة لوالدي الذي كان أيضا من سكنة الحي ، و من محبيه و المعجبين  به بقوله: ” يجب أن أترك هذا السكن ، و سأنتقل الى الأعظمية في حي الحريري”. وكان له ما أراد ، فقد إنتقل الى الحريري في الأعظمية بعد أن اشترى منزل اللواء نور الدين محمود الذي كان رئيس الوزراءعلى رأس إنقلاب الوصي سنة 1954.

لقد تغيرت الحياة الروتينية للوردي في منزله الجديد ، فقد خصص الطابق العلوي للمكتبة. و خصص لنفسه مكتبا في الطابق الأرضي يطل على الحديقة الواسعة.و كان لا يسمح لأحد بإختراق عالم مكتبه حيث يسطر أفكاره إلا لخاصته كما كان يفعل معنا ، المرحوم كامل مصطفى الشيبي و أنا.

عرفت الأستاذ الوردي مؤلفا منذ صدور كتابه  شخصية الفرد العراقي … و لكنه أثار حفيظة الناس سلبا و ايجابا بصدور كتابه  وعاظ السلاطين، فكنا وقتها شبانا في الدراسة الاعدادية ، ثم التقيته في عهد الدراسة الجامعية ، فكان أستاذا بحق  ، و عندما كنت أحضر الدكتوراه في جامعة كيمبردج ، كان يكتب الوردي لي يطلب مني شراء مراجع أوروبية فأرسلها اليه ، و أتذكر أنه طلب مني شراء كتاب صدر في تل أبيب عن عبد الكريم قاسم ، و عندما أخبرته أن الكتاب قد لا يصله و قد تصادره الرقابة في بغداد ، كتب لي : ارسل لي الكتاب ، و لا تنشغل باستلامه من البريد!!

و في بريطانيا وجدت أن الأستاذ الوردي ليس معروفا لدى المستشرقين فحسب ، بل انهم يدرسون أفكاره و و يهتمون بتحليلاته ،و أتذكر أن اطروحة دكتوراه أعدت في أوكسفورد كان للوردي فيها حصة الأسد ! و قد أخبرته بذلك عند عودتي للعراق بعد أن أنهيت دراسة الدكتوراه 1971، فسر وعلق على الخبر: نعم ، ليس مثل ما أتعرض له هنا [=العراق] من أحقاد و تحاسد وضغوط ، ف” إن مغنية الحي لا تطرب”!! و بعد ذلك تسلم الوردي دعوة من جامعة الجزائر لمناقشة أطروحة دكتوراه هناك . بعد ذلك زار تونس ، و ألقى محاضرات كان من نتيجتها أن إعتبره جيل من الاجتماعيين التونسيين أستاذا لهم كما سمعت مباشرة من الدكتور عبدالوهاب بوحديبة رئيس بيت الحكمة التونسي. كما ألقى محاضرات في المعهد العالي للدراسات العربية في جامعة الدول العربية بالقاهرة.هذا كله كان يجري ، و الوردي قد ترك العمل في قسم الاجتماع  ( الذي انتسب اليه سنة 1950) بالتقاعد  سنة 1970 بعد إساءات من زملائه ، حتى أثخنوه بجراح اتهامات باطلة ،منها: انه كان طائفيا، ولكن كتبه تشهد على أنه كان علمانيا من طراز المستنيرين.  و انه كان باطنيا يكتب شيئا و يبطن شيئا آخر ، و هذا إفتراء على الوردي و فكره، … الخ!! فقد كان الوردي لا يفاضل بين  الرجال ولا مدنهم و انتسابهم القبلي أو المذهبي ، و لم يكن  إلا صوت ضمير حي صدر عن عقل مستنير إفتقر له معظم معاصريه.

و لن أنسى ثلاثة مواقف مرت بي مع الوردي:

أولها، كيف أعد وليمة غداء كبرى للمستعرب الفرنسي الكبير جاك بيرك ، حضرها عدد من المستشرقين الذين كانوا يشاركون في مؤتمر الفارابي سنة 1975 ، وحضرها من العراقيين الأستاذ حسين علي محفوظ والمرحوم الأستاذ كامل مصطفى الشيبي . و ثانيها ، طلب مني الصديق الدكتور محسن خليل مرة عندما كان سكرتيرا لرئيس الجمهورية بأن يزور الوردي لكي يطلب منه بعض كتبه التي نفدت ، فذهبنا لزيارته بلا موعد !! فكان عتاب الوردي لي مرا : كيف أجلب سكرتير الرئيس لزيارته و هو بملابس النوم؟ لكنه كان سعيدا لأنه إعتبر طلب مكتب الرئيس لكتبه المفقودة سينصره على المسؤولين الذين صاروا لا يسمحون له بالسفر صيفا الى بولندا! و ثالثها ، فاجأني يوما صديقي المرحوم هشام السامرائي ( زميلي في التلمذة على الوردي ) بأن زارني على غير موعد و قت الظهر في يوم حار (= 13/7/1995)، فعلمت منه أن أستاذنا الوردي قد رحل عن هذه الدنيا ، و سيشيع جثمانه في الكاظمية ، فذهبنا و حضرنا المراسيم المهيبة لتشيع جثمان الوردي و صولا الى مقبرة براثا ، و دفن هناك بحسب وصيته في زاوية الجدار الجنوبي للمقبرة.

و هكذا ، رحل أبو حسان ، فلم يعد الناس يختلفون  في أمره : فربما استشعروا ندما بسبب الإساءة اليه ، أو أدركوا  أن ما كتبه يراعه المبدع من فكر حر لن يتكرر!! فقد كان الأستاذ الوردي  بحق من أبرز المسنيرين في عراق القرن العشرين.

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: