RSS

المربي عبد العزيز البسام

                              

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم      

الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي

 

ولد الأستاذ الدكتورعبد العزيز البسام و ترعرع في الزبير1916 ، ودرس في بغداد ،ثم التحق بجامعة لندن فحصل على البكالوريوس و الماجستير ، و عاد في آخر الحرب الكونية الثانية الى العراق ، ليرجع الى جامعة لندن مرة أخرى ، بعد أن وضعت الحرب أوزارها ، فظفر بالدكتوراه في فلسفة التربية ، فانتسب الى دار المعلمين العالية ، متنقلا بين الأقسام العلمية المختلفة فيها لتدريس مادة التربية ، حتى ذاع صيته بين زملائه و طلابه أستاذا بارعا ، واسع الاطلاع  ، وقوي الشخصية . و في سنة 1948 ساهم بنشاط في تأسيس قسم الفلسفة في كلية الآداب، فالرعيل الأول من خريجي الفلسفة لم ينسوه يوما ، و كان أبرز المتفلسفين في الوجبة الأولى  المرحوم الأستاذ مدني صالح.

شارك المرحوم البسام المؤسسين الأوائل لقسم الفلسفة ، مثل : الأستاذ علي سامي النشار (مصري)، و المستر ايفري ( بريطاني)، و الأستاذ ألبير نصري نادر(لبناني)، والتحق بهم بعد ذلك الأستاذ محمد توفيق حسين ( عراقي تخرج في أوكسفورد). فكان للبسام الحق أن يفخر دائما أنه كان من مؤسسي قسم الفلسفة في كلية آداب بغداد. كما انه تميز في تدريسه للتربية في دار المعلمين العالية فأسس فيها منحى الواقعية الجديدة التي تزعمها برتراند رسل في بريطانيا ، خصوصا انه عرف رسل و أخذ عنه ، و شجع على درسه و ترجمته، فترجم هو له  كتابا بعد ذلك .

كان المرحوم البسام مجبولا على التعاون مع زملائه ، و امتلك كل مقومات العالم الأكاديمي ، فظفر بالأستاذية ، و صار واحدا من أبرز التربويين العراقيين ، و تمرس في تقديم البرامج التربوية لليونسكو ، ثم للأليكسو بعد تأسيسها في الجامعة العربية. كما شغل مناصب ادارية تربوية في وزارة التربية ، فذاع صيته مؤسساتي أكاديمي بارع ، فأعيرت خدماته الى دولة الامارات العربية المتحدة بعد إعلانها سنة 1970، فكان  مؤسسا لجامعة الامارات التي مقرها العين ، و أول رئيس لها. وبقي المرحوم البسام يبني كل التفصيلات في البنى الظاهرة و التحتية لجامعة الامارات ، فوضعها في المنطلقات الصحيحة. لكن ، بعد أن استكمل تأسيس الجامعة، صدر قرار بنقله الى وزارة التعليم العالي مستشارا، على أن يسلم رئاسة الجامعة الى خلف لم يكن يرقى نموذج التأسيس ، فرفض البسام فكرة ترك رئاسة الجامعة الى مستشارية الوزارة ، و جمع حاجياته الخاصة وطار من دبي الى بغداد مستقيلا من مهماته في دولة الامارات العربية المتحدة.

في بغداد التحق الأستاذ البسام عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي ، و أستاذا لمادة فلسفة التربية في كلية التربية [= كلية ابن رشد ، التي تخصصت بالعلوم الانسانية ]. و كان قريبا من نظريات الفيلسوف رسل في التربية الى الحد الذي كلفه المجمع العلمي بترجمة كتابه في التربية ، فاشتغل فيه لسنوات حتى عده زملاؤه و طلابه أنه لن ينجز، لكنه أنجزه في النهاية ، فكان له صدى كبير في الوسط الفلسفي و التربوي بعد الوسط المجمعي.

انشغل الأستاذ البسام معي في تدريس طلبة الدكتوراه ، كما شاركته عضوية لجان مناقشة أطروحات دكتوراه. كما عملنا معا في لجان تحكيم لمناقشات أطروحات دكتوراه ، كان آخرها سنة 1999، و كان موضوعها قد لفت اهتمامه لأنه يدور حول فلسفة الشكاك عند اليونان ، وقد تطابقت آراء المرحوم البسام مع آرائي تماما بأن دفاع الطالب عن أطروحته كان أعلى مستوى من أساتذته أعضاء لجنة المناقشة ! وكان للأستاذ البسام ما أراد ، فقد كتبنا في تقريرنا لا خير في درجة دكتوراه تمنح من مناقشين أقل علما من الطالب ، كما لا خير في مناقشة دكتوراه يذبح فيها الطالب تعسفا و من ثم تقدم الدكتوراه له على طبق كأن لم تكن مناقشته صاخبة حد الافراط!!

و في سنة 2000  أخبرني الصديق الشاعرالكبير حميد سعيد ، باعتباره رئيس بيت الحكمة  البغدادي و عضو اللجنة العليا لجائزة رئيس الجمهورية التي تمنح للعلماء في جملة إختصاصات العلوم المختلفة ، فكان الأستاذ البسام حصة الفلسفة على الاطلاق. و في السنة التالية 2001 ظفر البسام بجائزة  الفلسفة لبيت الحكمة     ( و غيرها جوائز: الاقتصاد، و السياسة، و الاجتماع ، و التاريخ ، و القانون ، و الدراسات الاسلامية ، و الترجمة )، و كُرم مع الفائزين بالعلوم الأخرى في حفل بهي و بهيج في القاعة الكبرى لبيت الحكمة .

كان الأستاذ البسام كريما في علاقاته الانسانية مع طلابه على نحو ملفت للنظر، و من ذلك أذكرأنه كان يعيرهم كتبه الشخصية التي يحتاجونها في تحضيراتهم البحثية ، كما كان يوفر للجميع أبحاثه التي نشرها و هي قليلة التداول. و أشهد أنه كان من التأدب الراقي بحيث هو الذي يبادر بالتحية و السلام على الجميع، و أنه كان من خُلقه الرفيع أنه كان يتفقد من يعرف اذا غاب عن أي فعالية ثقافية تعود أن يراه فيها. و كان يسأل عن كل مريض يعرفه، و يزور كل منكوب بوفاة أحد من أهله… و…الخ من الصفات الحميدة التي لا يملكها إلا الصالحون في الخلق و السريرة.

تعود المرحوم البسام على زيارتي في مكتبي ببيت الحكمة ، كما كنت أزوره في بيته متى ما غاب عني قليلا بحيث استشعر أهمية السؤال عنه. و لن أنسى له موقف اعتزازه بالعضوية الفخرية لجمعية العراق الفلسفية  1992، و مشاركته الجادة في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الفلسفي العربي في بيت الحكمة2000، و كذلك بمشاركاته الفعالة في رئاسة جلسات عمل في المؤتمرات : الأول2000 ، والثاني2001 ، والثالث2002، والرابع2003 ، فكان موقعه في لجنة التحكيم في كل المؤتمرات. و لا أنسى كيف أسهم بقوة في أعمال المؤتمر الأخير الذي انتهى في 1 آذار- مارس 2003 ، ( أي قبل قيام حرب الاحتلال بعشرين يوما فقط!!)، على الرغم من  ظهور التعب عليه  وقد ناهز السادسة و الثمانين!

و قامت الحرب بكل قسوتها في 21/3/2003،  فلم أستطع بعد ذلك ، للأسف ، أن أرى الأستاذ البسام ، فقد تهدم بيت الحكمة و سُرقت كتبه وأحرقت قاعته الكبرى،و أغتصبت ثقافته ، فسافرت الى خارج العراق. وهناك تناهى إليًٍِ ، وسط الفوضى التي عصفت بالأشياء  كلها في العراق، غياب المرحوم البسام عنا،  فكأن غيابه  كان إحتجاجا على عمق الجرح الذي سببه  الإحتلال لبغداد التي كان هو و زملاؤه من جيل الرواد  يسعون خلال القرن الماضي لتكون بغداد منبرا  تُلقى منه دعوات المجد والبقاء ! لكن هذه الصور لا يفهمها كل الناس إلا النخبة، وقد كان هومن هذه النخبة  التي أسهمت في إصلاح التربية ونظمها الأخلاقية في العلوم و الفنون و الآداب. وسيبقى البسام لزمن طويل يُذكر رجلا  متميزا  في تأسيسه لقواعد الأخلاق في التربية الأكاديمية في العراق .

 

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: