RSS

المحقق محمد توفيق حسين

 

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم        

الرئيس الفخري للإتحاد الفلسفي العربي

     المرحوم الأستاذ محمد توفيق حسين من مواليد الموصل ، فهو عريق بشقين :الأول/ أنه إكتسب بثقافته قوة الموصل و رصانتها في التربية، و الثاني/ كان نموذجا للعالم الأكاديمي في الأخلاق في النظر و الفعل و القول. و منذ شبابه أدمن قراءة التاريخ ، و تفرس في الأحداث الكبرى التي ساهمت بتغيير مسارات الدول و الأمم ، فكان يتفلسف في التاريخ على نحو تشيع منه قوة البصيرة و نفاذ الرأي. وكان من حسن حظه أن درس في الجامعة الأمريكية في بيروت. و تخرج فيها متفوقا ،و عاد ليعمل في التدريس في العراق حتى شملته البعثة لدراسة الفلسفة في جامعة أوكسفورد ، فحصل على درجة B.Litt. ، وهي شهادة كلاسيكية في أوكسفورد تمنح على أساس بحث دراسات عليا ينجز لمدة سنتين، من هنا لم تفهم أصولها في الجامعات الأخرى ، فاقترنت بالماجستير M.Phil.  ، و لم تساو  درجة الدكتوراه  D.Phil. بحسب لوائح أوكسفورد!!

درس محمد توفيق حسين تحت إشراف فالزر  R.Walzer المستشرق الألماني الأصل ، و الباحث المتميز في دراسة الفلاسفة العرب في الإسلام  و مقارنة مباحثهم بالفلسفة اليونانية القديمة. و من غير الواضح السبب الذي جعل دراسة محمد توفيق تقتصر على الماجستير و ليس الدكتوراه ، و هو المؤهل لها بحثا و لغة ، فلم يصرح بشيء عن هذا الموضوع لأحد من معارفه، حتى الأقربين !

كان محمد توفيق بارعا في المحاضرات الفلسفية التاريخية ، فأنتدب للتدريس في قسم الفلسفة بكلية الآداب ، إضافة الى تدريسه مادة التاريخ القديم في قسم التاريخ. و منذ بداية الستينيات عكف على كتاب المقابسات لأبي حيان التوحيدي يحرره ( على طبعة الشيرازي بالهند 1889، و طبعة السندوبي بالقاهرة 1929 ) ، ثم قام بتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا ، ونشره   ببغداد سنة  1970 .  وق سبق لي أن تحدثت عن جهود توفيق حسين في نشرة  المقابسات للتوحيدي في كتابي [ أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات ، طبعة ثانية ، بيروت 1983 ] و قلت هناك (ص 161 ) :” تيسرت …نشرة جديدة محققة للمقابسات ، بعناية زميلنا الأستاذ محمد توفيق حسين .. فكأن عمله جاء سدا للفراغ الذي عانته المكتبة العربية عامة، و الدراسات التوحيدية بوجه خاص، في عدم إحتوائها على نشرة متكاملة في تحقيق النص تحقيقا علميا … فحقق الناشر بهذا العمل إنجازاكبيرا…”.

في سنة 1971 أنتدب  ألأستاذ محمد توفيق مديرا عاما لدائرة الانسانيات في وزارة التعليم العالي و البحث العلمي . و هنا تعرفت عليه عن كثب ، عندما زرته في مكتبه ، بحضور الأستاذ الدكتور جعفر آل يس ، لغرض التعيين في قسم الفلسفة في كلية الآداب.  ومن ذلك الوقت صرنا زميلين متحابين كلما التقينا في كلية الآداب ، حتى صدر كتابي أبو حيان سنة 1980، فأهديته نسخة منه عندما ذهبت شخصيا الى منزله و كان متوعكا لأوصلها اليه زيادة في بيان إحترامي و تقديري له. فما كان منه بعد إسبوع إلا زيارتي في قسم الفلسفة،بحضور المرحوم الدكتور ياسين خليل ، ليشكرني على إنصافه في كتابي ، و لأنني، برأيه، أنجزت عملا أكاديميا متميزا ، فشعرت بالبهجة و السرور من حكمه ذاك.

و بعد ذلك بمدة ، جاءني المرحوم محمد توفيق يحمل كتابا صغيرا ، هو تاريخ الفلسفة الاسلامية للمستشرق ريتشارد فالزر ، للتعبير عن إمتنانه السابق . و ظهر لي بعد ذلك ، أن الكتاب المهدى من الأستاذ محمد توفيق هو ترجمته لبحث أستاذه فالزر ، المنتزع من أصل كتابه المهم : اليونانية في العربية ، Greek into Arabic ، المطبوع في أوكسفورد 1963، فكان الكتاب على صغر حجمه من القيمة الأكاديمية في دراسة الفلسفة العربية في الإسلام ، فعممته على طلابي في البكالوريوس  عند تدريسهم الكندي و الفارابي و ابن سينا ، الخ.

من الواضح ،هنا، أن مكانة الأستاذ محمد توفيق حسين كانت لم تقع بين الفلسفة و التاريخ في موقع المفاضلة ، فهو ينحاز دائما للفلسفة ، و إذا قرأ التاريخ فكان يقرأه  قراءة فلسفية. و في الجانب الآخر، نجد تعلقه بالتاريخ اليوناني بسبب إرتباطه أصلا بالفلسفة اليونانية. و كان يقرأ التاريخ اليوناني ليس أباطرة و ملوك و حروب طروادة ..الخ ، بل كان يقأه مدارس فكرية و علمية عمت الساحة التي تنطق باليونانية .

ولن أنسى سعادة الأستاذ محمد توفيق  عندما أوصلت له دعوة المرحوم الدكتوركامل الشيبي  مع دعوة مماثلة للمرحوم الدكتور علي الوردي و إصطحابهما الى منزل الشيبي للعشاء على شرف الأستاذين الدكتور محسن مهدي ( من جامعة هارفرد ) والدكتور علي سامي النشار ( من جامعة الاسكندرية )، سنة 1975 أثناء إنعقاد مؤتمر الفارابي و الحضارة الانسانية ، فقد كان ممتنا لي لرفقته ، و لجمعي اياه بزميله القديم الوردي.

و من الطرائف التي أذكرها عن الأستاذ محمد توفيق أننا كنا نلتقي عند ( كشك ) الشاي في الساحة الأمامية للبناية الخلفية لكلية الآداب ، في يوم الإثنين من كل أسبوع ، في تمام الساعة العاشرة و النصف ، و هي فسحة من الزمن لمدة ساعة نتحدث فيها ما طاب لنا الحديث في كل اتجاه ، و نفترق في الساعة الحادية عشرة و النصف عائدين الى قسمينا لاستكمال المحاضرات. و استغرقت هذه العادة منا عامي 1987و1988، ولم أعد أراه من أيلول 1989 عندما عينت عميدا في جامعة الكوفة.

و سمعت ، من بعيد ، بوفاته بعد أن أعياه المرض ، و هو يناهز الخامسة و السبعين ( على الظن ؟ ) ، و بوفاته يكون البحث التاريخي في كلية الآداب قد فقد مؤرخا لامعا يعز علينا  في هذا الزمان أن نعرف مثله في جامعة بغداد موصوفا بالقوة في ربط التاريخ بالفلسفة ، و بالرصانة في ربط الفلسفة بالتاريخ.

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: