RSS

المجمعي صالح أحمد العلي

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم

 

المرحوم الأستاذ الدكتور صالح أحمد العلي من مواليد الموصل ، فنشأ وترعرع فيها ، فدرس في الكتاب ، ثم المدارس الرسمية ، فكان من المتفوقين في الثانوية العامة، فرشح للبعثة العلمية الى بريطانيا لدراسة التاريخ. فجلس مدة يتساءل مع العارفين عن الجامعة التي سيختارها، و هل يجب أن تكون جامعة لندن بالذات ؟ فكانت نصيحة أستاذه في مادة التاريخ أن يترك مقادير المسألة الى وقت لقاء الملحق الثقافي بلندن. و فعلا إستند المرحوم العلي ، الخالي من الخبرة ، الى ما استكشفته الملحقية الثقافية ، فتم ترشيحه الى الدراسة في جامعة أوكسفور، و التي لا تبعد عن لندن كثيرا. وبعد يومين ، شد الرحال الى أوكسفورد ، فوصلها ملهوفا ليعرف أين سكنه الذي يريد أن يأوي اليه من تعبه الذي استكمن منه منذ ترك بغداد! لكنه وجد أمامه جدول طويل بأعمال يجب أن يقوم بها ليكون طالبا أوكسفورديا، من ذلك التسجيل في الجامعة و الكلية ، و مراجعة سكرتارية دائرة الدراسات الشرقية ، و مكتب السكن الجامعي ، …الخ. فكان في آخر النهار يجلس في غرفته بالسكن الجامعي ، يراجع يومه الأول في الجامعة التي سيعيش فيهاحوالي سبع سنوات محبا و مكرها!

وكان المرحوم العلي  من المحظوظين في جيله ، مثله كالمرحوم الدكتور عبد العزيز البسام ، فأولئك الذين توفرت لهم كل الظروف الدراسية الكاملة في الجامعات البريطانية.فقد درس المرحوم العلي البكالوريوس في أوكسفور و تخرج فيها فإلتحق بدراسة الماجستير في الجامعة نفسها، و تخرج فيها ليلتحق هذه المرة بدراسة الدكتوراه و في أوكسفورد أيضا، و هذا نادر ما يحصل في البعثات العلمية العراقية  التي يميل المشرفون عليها في السفارات بتغيير الأماكن بلا مبرر وجيه، لكن المرحوم العلي كان يؤمن  في أن الثبات على الجامعة الواحدة ، مثل أوكسفورد ، أفضل له في تأسيس أكاديميته  على أعلى مستوى ممكن. و درس الإنسانيات بعامة ، لكن شغفه بالتاريخ  العام ساقه الى التخصص في التاريخ العربي – الإسلامي. ومن هنا جاء تمرسه الفعال في قراءة التاريخ العربي قبل الإسلام ، و التاريخ الإسلامي بعد عصر الرسالة.

درس المرحوم العلي التاريخ العام، و فصل المتابعة في التاريخ العربي قبل الإسلام ، فقد إستطاع الولوج منه الى العالم القديم بسهولة طالما أنه إعتقد  بأن عرب ما قبل الإسلام هم حلقة متأخرة من المجموعات الجزرية ( المنسوبة الى شبه الجزيرة العربية ) التي إنتقلت من اليمن الى بلاد الرافدين و بلاد الشام!فهؤلاء هم العرب الأقدمون الذين تفجرت الحضارات الأولى بهم ، فكانوا أصل التاريخ العربي على مدى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. و سيكون الأستاذ العلي رئيسا لهيئة إعادة كتابة التاريخ بعد أربعين عاما ، و له الفضل في تنظيم فجرالسلالات العربية تحت أسماء كرست في الشجرة السامية: الأكديون ، و الآموريون ،و الآشوريون ، و الكلدنيون في بلاد الرافدين ، و كذلك الفنيقيون ، و الآراميون ، و الكنعانيون و العبرانيون في بلاد الشام الكبرى. و أخيرا العرب العاربة و المستعربة في هجرتهم ، فبل الإسلام و بعده ، الى تخوم الرومان في الشمال و تخوم الفرس في الشمال الشرقى.

وكان المرحوم العلي يرى أن السومريين ، مع مجهولية أصولهم الأولى ، لا يمكن أن يكونوا إلا سلسلة طاعنة في القدم من تلك السلالات ، و أن الفصل بين هذه الموجات بقرون أدى الى إختلاف اللهجات فصارت لغات ، مع أن أصولها واحدة!! و من هنا، تأتي نظرية الأستاذ العلي في أن العرب أمة حضارية أولى في التاريخ. لذلك ، ليس من الغريب على هكذا أمة أنها أنجبت ألأنبياء و الرسل على تمام الرقعة العربية ، و من تاريخها نلاحظ الملوك الكبار كسرجون الأكدي مؤسس أول إمبراطورية في التاريخ ، و حمورابي الآموري صاحب مسلة بابل ، وآشور بانيبال صاحب أعظم مكتبة في التاريخ …الخ. و معنى هذا نفهم لماذا ورث العرب مجدا تاريخيا بعد ظهور الإسلام .

شغل المرحوم الأستاذ العلي ، غير وظيفته الأساس كأستاذ في التاريخ، رئيسا لدائرة التاريخ ( تشرف على أقسا التاريخ في جامعة بغداد و غيرها)، و بعدذلك عميدا للمعهد العالي للدراسات الإسلامية(= ماجستير و دكتوراه ) ، و انتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي ، وثم عين رئيسا للمجمع ، فانتشرت شهرته المجمعية في الأقطار العربية ، فانتخب عضوا في المجمع الملكي المغربي ،و مجمع اللغة العربية قي القاهرة ، و المجمع العلمي العربي السوري ، و المجمع العلمي الملكي الأردني . كما ساهم مبكرا في حياته الأكاديمية بالكتابة في موسوعة الإسلام Encyclopaedia of Islam  التي تصدر في ليدن بثلاث لغات : الانكليزية و الفرنسية و الألمانية. و يبقى أهم ما نشره من كتب هو كتابه تاريخ العرب  قبل الإسلام ، الذي شق فيه طريقا مختلفا عما فعله المرحوم الأستاذ جواد علي في كتابه المطول المشهور.

تعرفت على الأستاذ العلي صيف 1968، عندما زرته في عمادة المعهد بمعية المرحوم الدكتور كامل الشيبي للحصول على توصيته لجامعة كمبردج التي قبلتني طالبا للدكتوراه إعتبارا من 1/10/1968. و لم يتأخر العلي عن نصرتنا ، خصوصا بعد أن عرف أن الشيبي سجلني عند أستاذه البروفسور آ.ج. آربري. وكنت طوال دراستي في كمبردج أكتب الى العلي عنما تستغلق على حالة تاريخية تحتاج الى حسم.و بعد عودتي الى بغداد 1971 ، زرت الأستاذ العلي ، وواضبت على زياراته على مدى سنوات حتى تقاعد من المجمع. و كنت أعجب باستنتاجاته التاريخية ، و كان يستأنس بتخريجاتي الفلسفية ، و أشهد هنا أنه ، برغم علمه الغزير بالتاريخ ، كان متواضعا أشد التواضع في إلتقاط ما ينفعه من زائريه في مكتبه في المجمع. و كنت أحيانا أوصله  معي بسيارتي الى منزله في حالة أنه بعث سائقه لأمر آخر. وكان منزله في الداوودي يبعد عن منزلي في اليرموك بحوالي كيلومتر، فكان الأستاذ العلي لا يترك شاردة أو واردة إلا و يعطي رأيه فيها.

و أتصل بي هاتفيا في خريف 1994 ، عندما كنت عميدا لكلية الآداب بجامعة الكوفة، وطلب مني المشاركة في ندوة المجمع المخصصة ل ” مكانة العقل في الفكر العربي ” ( صدرت أعمال الندوة في كتاب ، طبع في بيروت 1996) ، و أخبرني بأن صديقي الأستاذ مطاع صفدي سيشارك في الندوة. و عندما سألته: كيف أعد بحثا في مدة أسبوع ؟ ، قال رحمه الله : ” اكتب عن معنى العقل ، و هذا تقدر عليه بيوم و ليس بأسبوع!”. فكان له ما أراد! رحم الله الأستاذ العلي الذي كان يتفقدنا أنا و الأستاذ صفدي في فندق الرشيد على مدى ثلاثة أيام !!

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: