RSS

المثقف كاظم المظفر

 

بقلم: أ.د. عبد الأمير الأعسم

الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي

    مات المرحوم كاظم المظفر سنة 1977 ، بمرض عضال لم يمهله كثيرا في الظاهر ، و لكنه عانى من مسبباته زمنا طويلا زهاء عشرين عاما. وكان ، رحمه الله،  من ألمع المثقفين في العراق ، فمنذ نعومة أظفاره نشأ في بيت علم من آل المظفر في النجف بين أعمامه و أخواله. ويكفيه فخرا أن أحدأخواله كان المرحوم الشيخ  الأستاذ محمد رضا المظفر، العالم الفقيه، وصاحب المنطق ، و رئيس منتدى النشر، و مؤسس كلية الفقه. تربى كاظم في المكتبات الشخصية من آل المظفر و الشبيبي و الأعسم ، فكان مبرزا و هو شاب بين أقرانه الذين ألهتهم الدنيا عن العلم ، بينما إنغمس هو في القراءة الشاملة في موضوعات المعرفة الإنسانية في كل اتجاه الى الحد الذي تجاوز القراءة المحلية الى قراءات عربية ، ومترجمة.

صار كاظم  ،فيما بعد، من رواد المكتبة الششترلية ، و مكتبة كاشف الغطاء ، و مكتبة المنتدى ، و المكتبة العامة ، و غيرها من المكتبات التي كان يجد فيها دائما ضالته من المعارف التي أولع في قراءتها.عزف عن العلوم الدينية ربما بسبب أن كل المحيطين به كانوا من أهل الدين.و من الغريب أن نشأته كانت تبعده عن رجال الدين و إهتماماتهم كافة. و تأثر من خلال قراءاته باليساريين العرب خلال الخمسينات، و بخاصة سلامة موسى، فكاد بإستمراره ذاك و نفرته من رجال الدين الذين يلتقي بهم في سياقات الحياة اليومية أن يتحول الى الشيوعيين بعد 14 تموز 1958 ، و لكنه تردد كثيرا خصوصا بعد أن انحسر المد الشيوعي منذ أن تغيرت سياسة الفريق عبدالكريم قاسم في إدارة دفة الحكم الى التوسط بين اليمين و اليسار ، فكان كاظم نظيف اليد من الانتماء الى الحزب الشيوعي العراقي من جهة، كما لم يحاول أن ينتمي الى جهة مضادة ، و بقي ثابتا في مكانه بكل ما يملك من مشاعر وطنية ، مع تحرز واضح من القيود التي كان يكرهها إذا ارتبط بحزب ما. و جاء موقفه هذا منسجما مع سمات شخصيته البسيطة غير المحبة للصراعات ، و ربما بتأثير ما قرأه في سيرة سلامة موسى الذي كان يساريا إشتراكيا فابيا ، فتشبه به الى حد أنه إعتقد بأنه صار فابيا فعلا !

و توجه الى الصحافة ، فعمل محررا في 1958-1959 جريدة الشعب التي لم تكن واضحة الهوية بين اليسار و اليمين ، و تحول الى التعليم سنة 1960 ، فعمل معلما  مدة سبعة عشر عاما في أرياف النجف و  مدينةالكوفة ، و انتقل الى الحلة ، ثم إنتهى الى قرية جنوب بغداد إختارها عامدا مفضلا حياة الريف على الحياة المدنية، حتى وفاته!و طوال ممارسته لمهنة التعليم جمع من الكتب المتنوعة جدا في كل ما قرأ من تاريخ ، و أدب ، و شعر ، وفلسفة ، و جغرافية ، وسياسة، وإقتصاد ، و اجتماع ، و علم نفس ، وقانون ، و علم الانسان (انثروبولوجيا ) ، و علم الآثار ، و غير ذلك من العلوم الانسانية. لقد كانت مكتبته عامرة باختصاصات يقل نظيرها عند المثقفثن الذين عرفتهم في حياتي.

التقيت بالمرحوم كاظم سنة 1959 عندما عاد الى النجف بعد أن ترك الصحافة و توجه الى التعليم. لكن معرفتي الدقيقة به بدأت سنة 1964 ، عندما  كنت في التعليم في الناصرية ونقلت الى الحلة، لخروجي من السجن الذي دخلته في 18 تشرين 1963. و كان المرحوم كاظم يرتبط بي ارتباطات عائلية جعلت من موضوع تعميق الصلة بيننا أمرا مقررا كصديقين، مع إختلافنا في الاتجاه السياسي،وفي التكوين الثقافي. فكان يزورني في الحلة و بعدها في بغداد، و كنت أزوره في النجف و من ثم في الكوفة طوال أربع سنوات 1964-1968 ، حتى غادرت الى بريطانيا للدراسة في جامعة كيمبردج. و عندما عدت الى العراق سنة 1971، كان المرحوم كاظم أكثر قربا الى نفسي، و افترقنا عاما من خريف 1973، عندما نقلت من جامعة بغداد الى وظيفة مستشار ثقافي في سفارة العراق بجدة ، الى أن عدت للعمل في جامعة بغداد خريف 1974. و كان كاظم يعتبرني مثله الأعلى في الدرس و التحصيل ، و كنت أعده نموذجا متميزا في الدرس الثقافي و التدريب على الاطلاع الشامل في كل ما يتصل بالمعرفة.و كنا لا ننفر من بعض في الجدل بين كل معطيات الحياة وقتذاك. و أتذكر حزنه الشديد بعد نكسة حزيران 1967 ، كما لا أنسى حماسته في حرب تشرين 1973 ، فقد كان مثقفا عربيا نبيلا عصاميا قرأ الموروث و الوافد في الثقافة العربية، و لكنه عاش بلا شهادات عليا ، مع العلم أنه كان في ثقافته يرقى الى أعلى مستويات المعرفة العامة و التخصصات الدقيقة كأي واحد من حملة الدكتوراه و لقب أستاذ في الجامعة.

و إفترقنا تموز 1977 ، عندما سافرت الى انكلترا أستاذا متفرغا في جامعتي كيمبردج و أوكسفورد ، ثم أستاذا زائرا في جامعة باريس الرابعة / السوربون . و في يوم من أيام أيلول،  كنت أجلس في مقهى كامب بكيمبردج ، و معي ضيف من العراق ، ففاجأني بالقول : إن كاظم مظفر قد مات! نعم ، مات الصديق المثقف الكبير المظفر ، و هو يناهز الخمسين ولم يصلها، و ترك وراءه مكتبة عامرة بالثقافة و طافحة بالمعرفة كما خلف بعض الأعمال المتواضعة التي طبعها و خرجت للنور في حياته، لكنه أخذ معه كل العلم الواسع الذي حصل عليه بالجهد الذاتي و الثقافة الشخصية ، فتجاوز بعلمه و معرفته كل من عرفت من المثقفين في العراق!

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: