RSS

القاص موفق خضر

بقلم عبد الأمير الأعسم

     يعد مؤرخو الأدب المرحوم موفق خضر قاصا مستندين الى قصته الطويلة الأولى : المدينة تحتضن الرجال. و لا أريد هنا أن أناقش: أكان إصداره الأول قصة طويلة  أم رواية ، …الخ! لكني ، أميل الى تعريف المرحوم موفق بالقاص دون الروائي! لأن الرواية فيها عقد كثيرة تبرز ملحميتها ، و نموذج ذلك (بين القصرين ) لنجيب محفوظ. أما  القصة الطويلة التي لا تتركب من عقد متعددة بل واحدة او اثتنين على الأكثر ، فهي ليست رواية من وجهة نظر النقد الأدبي!!

كان موفق خضر من جيلنا في المدرسة في الكرخ  ببغداد ، لكننا كنا في متوسطة فيصل ( أنا و سامي مهدي و مثنى حمدان العزاوي و عدنان خيرالله طلفاح و سامي إيليا و محيي السامرائي و شاكر القزويني ، الخ! لكن موفق خضر و عبد الاله ابراهيم الوائلي كانا في متوسطة المنصور ). وأثناء حوادث تأميم القنال خريف 1956، كنا جميعا متجمعين في إعدادية الكرخ التي عرفت بحماستها القومية منقطعة النظير! و للتاريخ أذكر أن موفق خضر إختفى في أول تعطيل للدراسة، و لم نكن نعلم : أين كان ؟ خصوصا أنه إعتاد أن يساعد أباه في محله (بندرجي ) في علاوي الحلة عند نهاية سوق الشواكة والدوريين من جهة جسر الشهداء. و انتهت الاضرابات ، فظهر موفق ، و هو أسن منا بعامين على الأقل ، ولم يتحدث لنا بشيء! و الغريب ، أنه زعم بعد سنوات أن قصته عن المدينة تحتضن الرجال كانت سجلا لما حدث له في ذلك الوقت!

و كان من عادة طلبة الكرخ أن يقيموا سفرات مدرسية يقصدون بها التعرف على بعض لتشكيل خلايا حزب البعث ، و لا علم لي أن موفق كان من هذه الشلة! و عند تخرجه في الكرخ ، انتسب الى كلية الآداب ، بقسم الإجتماع . و في سنة 1962 تخرج في كلية الآداب ، و عمل في التدريس في النجف. و كنت أراه كلما زرت أهلنا هناك ، يجلس في محل بيع العطور للشاعر المبدع محمود البستاني المعروف باتجاهه العروبي  (والذي للأسف سفر فيما بعد سنة 1969 الى إيران بحسيانه من التبعية الإيرانية!!). كما كنت ألتقي بموفق في شارع المتنبي وهو يبحث عن ناشر لقصته ،  حتى وجد ضالته في عبد الرحمن حياوي صاحب مكتبة النهضه، فنشرها له.

و لا أنسى أنني عندما عدت من دراستي في جامعة كمبردج 1971، قمت بزيارات لزملاء قدماء ، المرحومين : عبدالأمير معلة و عبد الحميد العلوجي وموفق خضر، و كذلك سامي مهدي ( أطال الله عمره) .. و كنت من أوائل  المهنئين لموفق في استلامه منصب مدير عام الشؤون الثقافية. و إنشغلت عنه و عن الشؤون الثقافية حتى سنة 1976 عندما مثلت الوزارة في الندوة العالمية عن الشيخ عبدالله الأنصاري الهروي في كابل و هراة. و بعدها، وجدت موفق خضر بدأ يندفع في إتجاه السياسة أكثر من الأدب سنة 1980 عندما رشح نفسه للبرلمان  (المجلس الوطني). وحدثت المفاجأة غير المتوقعة عندما صحونا في صباح يوم أعلنت الصحافة وفاة موفق خضر بسكتة قلبية ، بعد أن كان مقررا له الذهاب في اليوم التالي الى جبهة القتال على الحدود العراقية الإيرانية! فعملت وزارة الإعلام له تأبينا كبيرا، حضره شخصيا المرحوم الرئيس صدام حسين ، و كأنه أراد أن يسجل تاريخيا أن قاص مرحلة البعث هو موفق خضر، و هكذا ساد الإعتقاد بين الأدباء و الكتاب في العراق.

لقد كان المرحوم موفق محظوظا بزملائه الذين أحاطوه ، و بزوجته السيدة ملك التي كانت في سبيل إعداد رسالة ماجستير في الأدب الإنكليزي. و فعلا ، كتبت رسالتها و أنجزتها في كلية الآداب في المقارنة بين موفق خضر و الروائي الأمريكي فوكنر! وعندما حضرت مناقشة الرسالة وجدت أن المشاعر العاطفية الجياشة في أجواء المناقشة هي التي حكمت موضوع الرسالة شكلا و موضوعا. و هكذا توفي موفق خضر و هو بعد غير متجاوز لسن الثانية و الأربعين ، لكنه ترك بصمات في أدب تلك المرحلة لا ينكرها إلا ظالم متعسف.

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: