RSS

الفقيه اللغوي إبراهيم السامرائي

 بقلم : أ.د. عبدالأمير الأعسم

                                             

لم يكن الأستاذ الدكتور ابراهيم السامرائي سامرائي المولد أو النشأة ، بل كان منتسبا الى سامراء بإنتماءأصل  العائلة، فعائلته كانت تسكن العمارة في ميسان و هي أصلا من سامراء ، فقد كان والده من المهاجرين السامرائيين الى أرض ميسان. وقد كنت أراه فخورا بهذه الصلة بين المولد و الانتساب، فليس هناك فرق  في هذاعنده. وكان نشأ و تعلم في مدارس العمارة ،حتى التحق بدار المعلمين العالية ببغداد في قسم اللغة العربية ، و تخرج في الدار ليكون مدرسا ، لكنه  التحق بالبعثة العلمية للحصول على الدكتوراه. و لأنه كان شغوفا بالدراسات الفرنسية حول اللغة العربية ،  فما كان منه إلا أن يعقد العزم للدراسة في جامعة باريس . وكان له ما أراد!

وكان المرحوم السامرائي زميلا لمجموعة متميزة من طلبة الدكتوراه العراقيين في فرنسا ، فقد عاصره الأساتذة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي ، والدكتورعلي جواد الطاهر، و الدكتور صلاح خالص ،..  وغيرهم. و انتفع الدكتور السامرائي بالموروث العربي كثيرا في دراساته الفرنسية  و بخاصة موضوعات فقه اللغة المستحدثة ، منطلقا من كتاب ” فقه اللغة ” للثعالبي (أبو منصور عبدالملك بن إسماعيل النبسابوري ، المتوفى سنة403هجرية/1013 ميلادية) و المطبوع في القاهرة 1938. وإجتاز مراحل دكتوراه الدولة كاملة على مدى خمس سنوات ، وفي السادسة عاد الى بغداد ليكون مدرسا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، فبرز في فقه اللغة حتى اصبح علما فيه . و نال الأستاذية بأبحاثه الكثيرة. فقد كان مؤلفا وباحثا من الطراز الأول ، و مترجما علي درجة عالية من الفهم للغتين العربية و الفرنسية. و تكللت أعماله الكبيرة بانجاز تحقيق “كتاب العين” للفراهيدين،  بالمشاركة مع الأستاذ الدكتور مهدي المخزومي.

أنتخب الأستاذ السامرائي عضوا مشاركا في المجمع العلمي العراقي ، ثم ثُبت عضوا عاملا فيه. كما أنتخب عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة و المجمع العلمي العربي بدمشق ، و لم يلبث أن أنتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي الملكي في عمان. وعندما أحال نفسه على التقاعد في جامعة بغداد ، استوطن عمان ، فكان من المقيمين الدائميين في الأردن ، كما فعل الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري قبله بوقت طويل.

عرفت الأستاذ السامرائي سنة 1967 عندما كنت طالبا و القى علينا محاضرات في فقه اللغة. و كنت معجبا بنظريته في هجرة الألفاظ ، كهجرة الطيور ، بين الأمم و الحضارات. و قادني ذلك بالتتابع الى علم اللغة المقارن philologia    الذي أبدع فيه الأستاذ السامرائي تبعا لشيخه المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون. و كان المرحوم السامرائي يأنس للدراسات التي أعددتها كمتطلبات محاضراته في فقه اللغة. و الحق هنا يُقال إن أكثر الدراسات العربية أهمية  في فقه اللغة هو ما أنجزه المرحوم السامرائي.

كانت علاقتي بالأستاذ السامرائي من النوع الذي نعرفه من علاقات الشيوخ الأساتذة بتلاميذهم في موروثنا العربي. فكان لا يتردد بالاستماع الي كثيرا ، أو قراءة ما أكتب ، أو إرشادي الى مرجعيات أوروبية. و كان من كمال لطفه علي أنه أهداني،  وأنا طالب أدرس عليه ثلاثة كتب من مؤلفاته أبرزها كتابه المهم في علم فقه اللغة. فكنت فخورا بذلك بين زملائي ، حتى جلب لي الحسد من بعضهم! وحين قررت السفر للحصول على الدكتوراه سنة 1968، شجعني المرحوم السامرائي على الدراسة في السوربون القديم. و لكن خياري كان جامعة كمبردج في بريطانيا.

و عندما عدت من جامعة كمبردج  تموز1971 ، زرته في كلية الآداب ، و كان رئيسا لقسم اللغة العربية ، فسر بي ، و يسر لي أمر التعيين في كلية الآداب. و بعدها بعامين ، عينت نائبا للعميد ، فكان الأستاذ السامرائي يزورني في مكتبي ، و لم أنقطع عنه  ، فكنت أهديه كتبي التي بدأت بنشرها منذ سنة 1974، فكان يستحسن نشاطي و يطلب مني أن أهتم بفلسفة اللغة التي كان يراها واضحة في تراث الفلاسفة العرب ، و بخاصة الفيلسوف  الفارابي . و لم تنقطع صلتي به حتى غادرالعراق أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

و في عمان ، كنت ألتقيه على موعد ، وعلى غير موعد ،عند الناشرين الأردنيين، يتابع بروفات كتبه التي كان يطبعها ،  فجرت بيننا أحاديث كثيرة عن مغادرته العراق و هجرته الى الأردن . و هنا أشهد أن الأستاذ السامرائي لم يفصح عن أي موقف يتصل بالسياسة ، وإنما كان همه التفرغ  لأعماله التي ينشرها و مهماته المجمعية التي غلبت على كل أنشطته ، فصار يتنقل بين المجامع العلمية العربية ، وهو في عمان ، بسهولة أكثر من ما كان له في بغداد!!

كان المرحوم السامرائي يعتمد على راتبه التقاعدي و على ما كان يجنيه من مكافآت النشر في المجلات المجمعية و على ما يحصده من ريع طبع كتبه في دور النشر. ولم أجده سعيدا كثيرا في غربته ، فقد شكى لي مرة كيف أن تجديد إقامته في الأردن كان نكتة الموسم !!  و أظن ذلك كان في خريف سنة 1993 عندما كنت في طريقي الى مؤتمر السلام بين الأديان في ميلانو ، فقد زرت أحد الناشرين الأردنيين، و عنده  رأيت الأستاذ السامرائي يتحاور في مسألة الروتين الحكومي بخصوص تجديد الإقامة في الأردن ، فقال: ” هل تصدقون أن كتابا رسميا صادر عن إدارة المجمع العلمي الأردني ، موجه الى دائرة الإقامة الأردنية ، ينص على أني عضو عامل في المجمع الملكي. لكن دائرة الإقامة طالبتني بكتاب من وزارة العمل ، لأن صفة ( عامل ) من إختصاصها! ” . فضحكنا جميعا من تدني إدراك الدوائر العربية التي تتعامل مع العلماء المهاجرين ، و قال:”ولم تحل المسألة حتى إتصل رئيس المجمع الأردني الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد بوزير العمل الأردني!! ”

و لا أنسى أن الأستاذ السامرائي هو الذي رشحني لأكون أحد كتاب موضوعات فلسفية في الموسوعة التي قرر المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية إصدارها. كما لا أنسى ما قدمه لي الأستاذ السامرائي من عون  أثناء عملي كأستاذ زائر بجامعة باريس الرابعة/ السوربون 1978 في تعميق معرفتي بالمستشرقين الفرنسيين مثل لوي كارديه و مدموازيل  غواشون و شارل بيللا و روجيه أرنالديز الذين تعرفت عليهم  أصلا في مؤتمر الفارابي و الحضارة الإنسانية ببغداد سنة 1975.

و بوفاةالأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي ، خسرت الدراسات العربية في علم فقه اللغة  عالما مجمعيا  جليلا لا يتكرر إلا  في النادر من الزمان!

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: