RSS

الترجمان سلمان الواسطي

 

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم

 

إحدى المسائل التي غابت عن الحياة الأكاديمية العراقية مسألة الترجمة على أوسع أبوابها كما في الجامعات العربية الرصينة لنقل النصوص من العربية الى الانكليزية أو العكس. من هنا ، ضعفت حركة التعريب في العراق ، و قل المنقول الى العربية ، وكاد ينعدم المنقول الى الانكليزية. و تكريسنا على الانكليزية بسبب أنها اللغة الأجنبية الأولى ، و يندر التعامل مع الغرنسية و الألمانية و الاسبانية و الايطالية…الخ.

و بناء على هذا ، إحتل المرحوم الأستاذ الدكتور سلمان داوود سلمان الواسطي مكانة رفيعة في وسط المتخصصين بالانكليزية ، أدبا و لغة ، فيما قدم من أنشطة واسعة في التعريب و النقل الى الانكليزية. و الدكتور الواسطي عربي أصيل ينحدر من عشائر واسط . كان قد تخرج في دار المعلمين العالية ، و مارس التدريس ردحامن الزمن، حتى سافر الى أمريكا لنيل الماجستير في اللغة الانكليزية، فعاد للعراق ، ثم رحل الى المملكة المتحدة ، فحصل على الدكتوراه في الأدب الانكليزي، و عاد الى العراق ليكون عضوا بارزا في قسم اللغة الانكليزية في الجامعة المستنصرية التي واكبها الى وفاته في 17/11/2007 . و كُلف بمنصب مساعد رئيس الجامعة،و لم يعمر في منصبه طويلا.فرجع لقسم اللغة الانكليزية راضيا بالتدريس و مفضله على أي منصب آخر.

عرفت المرحوم الواسطي 1985، عندما صدر قرار بتسميتنا عضوين في لجنة التأليف و الترجمة و النشر في دائرة الشؤون الثقافية العامة ( = دار آفاق عربية )،  وكان من زملائنا  نخبة من الأكاديميين في جامعة بغداد و المستنصرية ، جمعهم مدير عام الدار قاصدا الخروج بمنجزات ثقافية مهمة بالإستناد الى هؤلاء الكبار.

و كان المنجز الذي قمنا الواسطي و أنا بعمله في دار الشؤون ،هو إخراج 5 مجلدات من دور ية الاستشراق في سلسلة الثقافة المقارنة ،( صدرت على التوالي 1987و1988و1989 ،1990و 1992 ). و كان دوري محررا أول للقسم العربي من الاستشراق ، و كان دور الواسطي محررا أول للقسم الانكليزي منها. و كان نجاح صدور المجلدات و ذيوع الإهتمام بها في الأوساط الثقافية العربية و الغربية،بسبب الإتقان في تنظيم المواد و إخراجها على نحو يغالب أقوى الفصليات أو الحوليات العربية.

و عندما تعرض مدير دار الشؤون القفافية للعزل ، إبتعد الواسطي بلا مقدمات عن الالتحام المباشر بالأوساط الثقافية ، و بقي مرتبطا بإتحاد الأدباء و الكتاب العراقيين ،و عندما تأسس بيت الحكمة 1995و باشر أعماله 1996، ظهر الواسطي عاملا في قسم الترجمة و فريقه الإستشاري ، و صار الرأي بتكليفه برآسة القسم ، فتردد زمنا حتى توصل الى قبول تكليف رئاسة تحرير مجلة الترجمة، ونأى عن رئاسة القسم!. و أخبرني صديقنا المشترك الكاتب الصحفي المشهور مؤيد عبد القادر بأن وزير التعليم العالي و البحث العلمي، وقتذاك، عرض على الواسطي بعد إحالته على التقاعد أن يكون مستشار الوزارة للشؤون الانسانية ، لكن الواسطي رفض !

وكان الواسطي أكبر مني بعقد من الزمان ، لكني كنت أسبق منه بالحصول على الدكتوراه و الأستاذية ، لذلك كان من خلقه الرفيع لا يتقدمني بحسباني أسن منه في العلم ! و إرتبط بي بصداقة عميقة ، فاشتركنا في لجان و هيئات علمية و  أكاديمية لسنوات ، كما كنا دائما نزور معا صديقنا المشترك الأستاذ الدكتور منذر الشاوي، وزيرا كان أو خارج الوزارة، في مجلسه الإسبوعي كل يوم جمعة ببيته في حي الجامعة.

كان الواسطي يعاني من القلب ، و انتكست صحته سنة 2002 ،فكنت أزوره باستمرار ، كما كان يزورني كلما وصل الى علمه أنني مرضت. و أجمل ما في الواسطي علاقاته الانسانية الرائعة، و في قمتها إرتباطه بالناس ، و لكنه كان حذرا حد الخوف ، ربما بسبب أنه لم يشتغل بالسياسة!!.كما كان لا يشكو حتى لو كُلف بعمل يأخذ منه ليالي بكاملها. و أتذكر أنه كان يترجم مشروعا سياسيا كبيرا الى الانكليزية بتكليف من وزارة الثقافة، فكان يعطي النص المترجم الرصانة الكاملة لكي يكون أمينا ، مع علمه أن إسمه لن يظهر على الكتب المترجمة الى الانكليزية!! من هنا، إن أعمال الواسطي  كثلاجة في المحيط ، لايعرف الناس منها الا القليل ، و ما خفي منها كان أعظم !

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: