RSS

الباحث عرفان عبد الحميد

بقلم: أ.د. عبدالأمير الأعسم

 

الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح ، كان يمثل خليط كركوك الطبيعي ، فهو تركماني الأب ، و كردي الأم ، و عربي التربية. و بقيت هذه الخصائص تحكم تصرفاته حتى يوم ترك العراق لينظم الى المهاجرين القاعدين ، فلم ينظم الى فريق معارضة ، كما لم يحاول أن يكون واضح الصورة في واجهة سياسية أو دينية ، كما سنرى.

ولد المرحوم عرفان في كركوك ، و تثقف بثقافة ثلاثية جعلت منه يقترب من الإسلاميين من جهة تربيته العائلية الصوفية، و من القوميين العرب على الرغم من إنتمائه التركماني صراحة. وإانتسب للدراسة في قسم التاريخ بدار المعلمين العالية. و تخرج فيها مؤرخا شابا متمكن من تاريخ العقائد الإسلامية ، و مارس التدريس ردحا من الزمن، فشملته قائمة البعثات للدراسات العليا في المملكة المتحدة، فسافر الى لندن أواخر سنة 1960. و بعد محاولاته متعددة للإنتساب الى  جامعة بريطانية، وصلته موافقةجامعة كيمبردج من معهد الدراسات الشرقية فيها بالموافقة على تسجيله طالبا للدكتوراه سنة 1962. و تحول الدكتور عرفان من دراسة التاريخ الى دراسة العقائد المرتبطة بالتاريخ العام ، العربي و الإسلامي ، فاشتغل على أساس المقارنة بين المعتزلة و الشيعة حتى ظفر بالدكتوراه سنة 1966 باشراف المرحوم البروفيسور ج.آ. آربري. و في صيف العام نفسه رجع الى العراق لينظم الى قسم التاريخ ، ثم تحول الى قسم الفلسفة ، و بقي عضوا فيه الى أن ترك العراق  منتصف التسعينيات !

عرفت المرحوم الدكتور عرفان سنة 1971 بعد عودتي من جامعة كيمبردج ، و لن أنسى يوم 22 آب 1972 عندما إصطحبني بسيارته من كلية الآداب الى رئاسة الجامعة في الجادرية لإستلام قرار تعييني عضوا في قسم الفلسفة ، و العودة لكلية الآداب لمقابلة العميد المرحوم الأستاذ الدكتور خليل ابراهيم حماش ، و المباشرة رسميا في الكلية و القسم مرة واحدة! و من ذلك الوقت إرتبطنا بصداقة و زمالة إمتدت الى حين سفره الأخير الى خارج العراق. و لن أنسى رفقته في ايفادات علمية و أكاديمية ، أذكر منها: مشاركتنا معا في مؤتمري  –Egidio Saint  بروما ، التي عقدت في مالطا 1991، و بروكسل 1992، ثم تركني أشارك بقية المؤتمرات في ميلانو 1993 ، وبعده ، وحيدا بعد أن عصفت الرياح بعلاقته بوزير الأوقاف!!

كان المرحوم عرفان إسلامي الإتجاه على نحو إقترب الى الجماعات الدينية، فعيَن أمينا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي في العراق التي كانت تنطق بإسم الجماعات الإسلامية العراقية و العربية و العالمية التي وقفت مع نصرة العراق بعد إستحكام الحصار الكامل عليه، سياسيا و إقتصاديا، و ثقافيا،و علميا ،…الخ! فكان الدكتور عرفان دؤوبا في حركته العامة بالسفر الى كل بقاع الأرض للبحث عن منافذ لفك الحصار و تفكيكه، و في حركته الخاصة في عقد المؤتمرات الدولية في بغداد 1991، 1992، 1993، 1994، 1995، وكان يساعده في الأمانة العامة الدكتور عبدالمنعم أحمدصالح. و الغريب ، جاء استيزار الأخير ،وزيرا للأوقاف ، ضربة قاضية على تطلعات المرحوم عرفان ليكون هو الوزير، و أقلها و كيل الوزارة، فاشتعلت بينه و بين الوزير نيران المنافسة ، و أذكر أنني كنت رسول سلام بينهما، فما وجدت من الوزير إلا الإصرار على تحجيم الدكتور عرفان، كما لم أجد في الأخير التصغير من الوزير! و فجأة ، سافر الدكتور عرفان الى الأردن بحجة معالجةطبية لزوجته ، و لم يعد للعراق!!و انقطعت أخباره ، فلم يفلح بالسفر الى بريطانيا، التي يسكنها إبنه الوحيد محمد الحامل للجنسية البريطانية و المتزوج من بريطانية! فإضطر للسفر الى ماليزيا و إلتحق بالجامعة الاسلامية في كوالالامبور.

كان الدكتور عرفان من الباحثين في العقائد الاسلامية على نحو مميز، لكنه كان متهما دائماإنحيازه لطائفة دون أخرى ، لكني أشهد هنا أنه لم يكن كذلك تماما، فأطروحة الدكتوراه التي كتبها و لم ينشرها قرأتها فوجدته باحثا قويا مطلعا على خفايا التاريخ العقائدي في الإسلام و عارفا بمسالك دوائر الإستشراق بشكل أظهره معاديا للمستشرقين عداوة لا قيمة لها و هو الذي درس عندهم و تخرج بإشراف شيخهم آربري! و لكنه أضاف الى المكتبة العربية كتابه العقائد ، طبعه عدة مرات ،و الذي كان متنفسا لأهل الدين للقول إن الدكتور عرفان فضح ما لم يقله غيره، و الصحيح بحسب متابعتي أن المرحوم عرفان كان يمارس أكاديميته مزدوج الشخصية: تركماني العرق عربي الهوى، و إسلامي العقيدة وثوقيى المنحى ، وطنيا عراقيا صميما لكنه عاشق لتركيا، و كان عدوا لإيران مع أنه يناصر أهل العراق من الذين إرتبطوا بالإرث الفارسي ، ناظرا للموروث الحضاري الفارسي قطعة جميلة من التراث العربي – الإسلامي!

و ظل الدكتور عرفان عصيا على الطعن في كل إتجاه ، ربما بسبب تشويشه على علاقاته السياسية و المذهبية و الثقافية ليبقى غامضا برأي الكثيرين ، فمن رجل لا علاقة له بحزب البعث الى شخصية متميزة في القرار الديني في أيديولوجية كان لا يفصح عنها. و من هنا ، لم يعد للعراق بعد نيسان 2003  حتى وفاته 2006، لأنه كان يعلم أن الموجودين في السلطة الجديدة في بغداد لن يسامحوه على مواقفه السابقة، العامة و الخاالسابقة، العامة و الخاصة.

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: