RSS

لماذا لا يستطع العرب أن يقدموا فيلسوفا منظًرا على مستوى العالم؟

للأستاذ الدكتور عبدالأمير الأعسم[1]

( 1 )

الخلفية التاريخية لإشكالية الفلسفة في الفكر المعاصر:

 

عندما كنا في بداية طريقنا في دراسة تاريخ الفلسفة، وجدنا أنفسنا أمام أسئلة:

هل إن تعلُم الفلسفة ميسور لكل إنسان؟ وهل صحيح القول إن الإنسان يتفلسف بالطبع؟ وهل الفلسفة تكتسب بالمران و الممارسة؟ إن هذه الأسئلة، التي تبدو ساذجة، في نظر الكثيرين[2]، هي في الحق تستكشف طريقنا إلى إشكالية التمييز بين أن نعرف الوضع الشاذ للفيلسوف في الفكر العربي الحديث والمعاصر، أو نبقى نتساءل : هل تخلو مطاوي فكرنا المعاصر من فيلسوف منظر حقيقي على مستوى العالم؟ وإذا كان لدينا من تتوفر فيه شرائط الفيلسوف ، فلماذا نحجم عن تسميته بالفيلسوف ، و الاكتفاء بتسميته مفكرا ، و هي تسمية غامضة لا تفصح عن طبيعة الفكر الذي يعالجه أي مفكر في الآداب، أو الاجتماع، أو الفنون، أو العلوم الأخرى؟

ومعنى هذا أن العرب المعاصرين يحجمون عن تسمية المفكر المتفلسف بالفيلسوف، على الرغم من أنه جرت عاداتهم بأن يسموا الطبيب طبيبا، والمهندس مهندسا، وناظم الشعر شاعرا، …الخ، فكأن اسم فيلسوف يثير في نفوس السامعين أنهم إزاء شخص استثنائي و نادر ليس من السهل وجوده بين الناس[3]، أي بمعنى آخر أن تخلفنا الثقافي، هنا، يفصح عن مقاصد ” الأسوار الشامخة حول القلعة التي يسكنها الفلاسفة لها وظيفة الحجب أكثر من وظيفة الحماية. أنها تحجب الفلاسفة عن أبصار الناس، كما تحجب الناس عن الفلاسفة “[4]! و هذه هي إشكالية الفرق بين الشرق و الغرب، وعلى نحو أخص بين العرب والأوروبيين، في التعامل مع الفكر الفلسفي من جهة الانتماء العقيدي. ففي الغرب لا يترددون بتسمية المفكر المنتج للأفكار الفلسفية والباحث المتأمل في القضايا العقلية وتفسيرها ،أو تحليلها ،أو تنظيمها، فيلسوفا على أساس تأهيله لمعرفة كل شيء عن العالم، من دون ارتباط بين الفلسفة و العقيدة، خصوصا بعد عصر الأنوار. بينما نلاحظ أن العرب لا يجرؤون على تسمية المفكر، مهما كان، بالفيلسوف من جهة إبداعه العقلي الذي يشترطون صدوره بلا تماس مع الانتماء العقيدي! ومن هنا نلاحظ أن المفكر العربي لا يستطيع أن يفكر خارج الأطر الاجتماعية، لأن المركزية العقيدية و الاجتماعية عند العرب هي التي تحكم طبيعة التفكير العقلي. وليس معنى هذا أن الفكر العربي  يتساوق مع الفكر الحر طالما أن الحرية [5] الفكرية عند العرب غير متكافئة مع شروط النظر العقلي في الأشياء ، كيفما كانت، وحيثما وجدت، و أينما حلت. إن هذا الذي نزعمه، ها هنا، ليس اتهاما للأنسنة العربية بأنها مقيدة العقل، بل إن الموروث العقيدي الاجتماعي هو الذي حدد الكيفية التي يمارسها العقل العربي ضمن أطر لا ينبغي لها أن تتناقض مع  الموروث [6]. وهذا هو المفتاح الذي نستطيع الولوج بواسطته إلى مدخل المواقف العربية السلبية المختلفة من الفيلسوف من جهة أنه يجب أن لا ينحرف[7] عن أقوال الفقهاء، و منظري العقائد، و منسقي الشريعة، ومفكري المذاهب [8] !.

من هنا، أقول: إن التصورات السابقة، ينبغي أن ترشدنا إلى البحث في الأصول التاريخية لهذه الإشكالية، من جهة الزعم بأن الفكر الفلسفي العربي الحديث والمعاصر لم ينتج فيلسوفا [9]على المستوى العربي. فهذا الأمر يستوجب الإشارة إلى أن الموروث العربي فرض على الفلاسفة في الإسلام، أن يقرروا صراحة الوصل بين الدين و الفلسفة[10] ، كما ذهب فلاسفة المشرق و المغرب، من السابقين على ابن رشد [11]  الذي أكد صراحة هذا الاتجاه خصوصا عندما عنون كتابا له ب ” فصل المقال فيما  بين الحكمة و الشريعة من الاتصال “.[12] و بناء عليه، نلاحظ النمطية نفسها عند الفلاسفة الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى.[13] فهؤلاء الفلاسفة جميعا كانوا يدفعون بالفلسفة في طريق العقيدة، تماما كما فعل، بعد ذلك، آباء الكنيسة الأوروبية [14] في العصر الوسيط، فكان صداما عنيفا بين العقائد الوثوقية و الفلسفة حتى استطاع الفكر الأوروبي في عصر الأنوار أن يقدم فلاسفة على القياس اليوناني.

نحن لا نتردد اليوم أن نزعم أن مشكلة المشاكل عند الفلاسفة العرب المسلمين و فلاسفة المسيحية في العصور الوسطى، إنما ترجع إلى ارتباطهم بعقائد وثوقية  لم تظهرهم فلاسفة بحق دون النظر إليهم من زوايا راديكالية دينية مهما حاولنا أن ننتصر لفلسفاتهم التي هيمنت على مسارات الموروث الفلسفي الديني حتى العصر الحديث.[15] وليس من المظنون، هنا، أن العقل العربي  إستطاع أن يقابس الفلسفة دون ربطها بالدين أو الصدور عنه في الحكم، حتى و إن اختلفا في القصد و الهدف. لذلك نحن بحاجة إلى النظر في المفاصل التاريخية التي حجبت عملية الاستقلال الفلسفي،[16] فلم يتم دفع الفكرالعربي الحديث إلى التحررمن التمسك بمباديء عقيدية وثوقية استكمنت في الوعي العربي، فظهرت متنافرة مع حركة التفلسف في الفكر المعاصر، على نحو ناقص، كأنها وليد غير تام الخلقة، فيه حياة لكنه ليس بمخلوق سوي !

وبناء على ما تقدم من عرض مزدوج بالمعضلات، و الارتياب، و كذلك الانفصام في شخصية الإنسان العربي عن ذاته و مجتمعه لهيمنة الموروث الديني الذي يبدو مزدوجا بين التقدمية والرجعية، وحرية الفكر ومصادرة الرأي الآخر، و الانفتاح الثقافي و التحجر على الموروث، …الخ ، و الانتصار لما يخالف العقيدة أو نقضها. فالتأسيس المعرفي لا يقوم على عقلانية طالما أنها محكومة بالمذهبية، و الطائفية، و العرقية، و كل ما لا يقع تحت طائلة تفسيرنا، لأننا نسبح في تيار مندفع إلى وهم لا أصل له ! ومعنى هذا، نحن بإزاء فوضى معرفية في  ضوء كل ما يتعرض له الإنسان العربي من السلطات التي تحدد فعالياته ، و أخطر هذه السلطات هي سلطة العقل الذي به نتحكم بالتفلسف حيثما يكون الانفتاح على نحو يتساوق في موازنة معرفية تقوم على تزاوج عقلي بين التراث و المعاصرة و المستقبلية.

ولعل أبرز مشاكلنا المعرفية، من جهة أن يكون لدينا القدرة على إنتاج فيلسوف، هو هذا الاعتداد الذاتي الذي يبيح لصاحبه بأن يزعم بأنه فيلسوف وله مذهب فلسفي يروج له. فلو بحثنا فيما قدمه المتفلسفون العرب من اجتهادات فلسفية لوجدناها أصلا لا تستند إلى أرضية معرفية صلبة مستقلة، يمكن أن تشاد عليها عمارة فلسفية شامخة، لكننا على العكس وجدنا أن كل ما تأسس من محاوليات فلسفية عربية معاصرة، هي اتباعية، وغير أصيلة، تأخذ من الغرب على نحو مكرور غير مجدي، ولذلك ظهرت في الفضاء الفلسفي على نحو لا روح فيها، و تفتقد عناصر التأصيل و الإبداع على مستوى العالمية، فتبقى أسيرة المحلية، و الإقليمية، و القطرية، فلا يكتب لها الانتشار حتى على مستوى العالم العربي. و معنى هذا، أننا نجد المعنيين بالفلسفة، درسا و بحثا و ترجمة، قد قاموا بأدوار ممثلين ثانويين في مسرحية الفلسفة الحديثة و المعاصرة، بل لا نجد بينهم ممثلا حقيقيا لدور الفيلسوف بالمعنى الدقيق الذي يقاس عليه الفكر الفلسفي العالمي، الحديث و المعاصر.[17]

وبناء على ما تقدم، نلاحظ أن الظروف الموضوعية للإنجازات الفلسفية في الفكر العربي المعاصر، يمكن  حصرها على النحو الآتي :

أولا / إن مساحة الفكر العربي  تبدو محدودة بقياس التفاعل الثقافي بين الغرب والشرق لأسباب كثيرة، أبرزها: انهيار الدولة العربية على أيدي المغول سنة  1258 في المشرق، وخضوع الأرض العربية للاستعمار الأوروبي بعد سقوط غرناطة سنة 1492 في المغرب.

ثانيا / إن فعاليات الفلاسفة  العرب المسلمين ، و كذلك المسيحيين و اليهود و غيرهم على الأرض العربية، لم تتخلص من مؤثرات العقائد الوثوقية  في موروث الثقافة العربية الإسلامية، فانقلب التفلسف، هنا، إلى شروح على المتون الفلسفية في العصور المتأخرة حتى العصر الحديث في القرن التاسع عشر.

ولعل من مشاغلنا، هاهنا، أن نراجع هذه الإشكالية، ونبحث في أصولها وأسبابها، للفصل فيما نلاحظه من خلط في الفرضيات التي تؤكد أن كتابات المفكرين المتفلسفين العرب لم ترق إلى مستوى التنظير الفلسفي، وليس ما قدموه ما يثبت أصالة فلسفية. و من ذلك وقوعنا في دائرتين مختلفتين:

الأولى / لم يستطع واحد من المفكرين العرب المتفلسفين أن يقدم لنا كشفا دقيقا لتاريخ الفلسفة العربية، وبحسب قول هيغل: إن تاريخ الفلسفة هو الفلسفة.

والثانية / أن أحدا من المفكرين العرب المتفلسفين لم يكتب فكره على سبيل الخلق والإبداع ، و إنما جاءت أعماله على سبيل التقليد و الإتباع.


 

( 2 )

المشتغلون بالفلسفة في الفكر العربي الحديث و المعاصر:

 

إن مراجعتنا لمسح ببليوغرافي أولي[18] للمفكرين العرب المتفلسفين النهضويين[19] منذ عصر النهضة العربية الأولى في القرن التاسع عشر ، أو لهؤلاء الذين أدوا و يؤدون أدوارا بارزة في النهضة العربية الثانية ، تبيح لنا تقسيم هؤلاء و أولئك  على مرتبتين:

(أولا) المرتبة الأولى  من النهضويين، لم يكونوا قريبين للفلسفة بقدر ما كانوا من مثقفي النهضة الأولى، وقد توزعت كتاباتهم على عدة فروع من المعرفة، منها الفلسفة. و يمكننا أن نقسمهم الى 4 درجات:

  • مفكرون كتبوا مقالات فلسفية، التي نقلوا فيها إنطباعاتهم من قراءاتهم الأوروبية.[20]
  • مفكرون ألفوا كتبا في موضوعات فلسفية بتأثير إعجابهم بفلاسفة أوروبيين.[21]
  • مفكرون تعلموا في أوروبا ، و كتبوا رسائل علمية لنيل الدكتوراه، لكنهم لم ينشروها، فظلت حبيسة رفوف جامعاتهم.[22]
  • مفكرون كتبوا في الفلسفة، وتحولوا عنها إلى فروع معرفية أخرى.[23]

(ثانيا) المرتبة الثانية من النهضويين ، و هم الأكثر عددا من المشتغلين بالفلسفة على نحو متخصص من أساتذة النهضة الثانية ، فكانوا روادا بحق في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وهم على أربع درجات:

  • متفلسفون غير أكاديميين ، وهؤلاء كانوا مفكرين مثقفين من طرازعال ، فألفوا كتبا تصنف في الفلسفة ، و لكنهم لم يرقوا إلى التنظير على مستوى الفلاسفة.[24]
  • متفلسفون أكاديميون ، و هم الغالب الأعظم من الذين يدرّسون الفلسفة في الجامعات، و لكن الأكثرين منهم لم يقدموا مشاريع فلسفية ، و اكتفوا بنشر ما أنجزوا من رسائل الماجستير و أطروحات الدكتوراه.[25]
  • متفلسفون مترجمون ، احترفوا تعريب النصوص الفلسفية الأوروبية ، و اختلفت أدوارهم المتفاوتة، في ترجماتهم التي نشروها بالعربية.[26]
  • متفلسفون احترفوا التأليف الفلسفي ، و قدموا تأسيسات فلسفية تتباين بين مشروع و آخر ، استنادا إلى منطلقاتهم الأيديولوجي، ة.[27]

إن هذا الإشتغال بالفلسفة لم يكن على مستويات متشابهة، أو متقاربة، أو متساوية، بل تنوع تنوعا شديدا في قدرات المشتغلين ونتائج دراساتهم الفلسفية. وفي الأعم الأغلب نلاحظ تفاوتا بين كل نوع و آخر. و ليس من الحق القول إن متفلسفي النهضة الأولى كانوا على مستوى فلسفي واحد، بل كانوا من المطلعين على الفلسفة على نحو متناثر لا قيمة له لتقرير وجود فيلسوف عربي منظر يمكن وضعه في مستوى فيلسوف محترف. و معنى هذا أن مؤرخي[28] النهضة الأولى كانوا غير دقيقين في الحديث عن الاستيعاب الفلسفي لرجال النهضة الأولى، لذلك أصدروا أحكاما مغلوطة على بعض رجال تلك النهضة بأنهم فلاسفة، وفي الحقيقة أن أعمالهم كانت حصيلة ثقافة فلسفية عامة. و هذا كلام لا طائل تحته، ولا قيمة له من جهة نقد البنية الداخلية لأعمالهم. فلقد وجدنا رجال النهضة الأولى إتباعيين للفكر الفلسفي الأوروبي، أورافضين له، ولم نجد بينهم من إستطاع أن يؤسس فكرا محترفا من جهة العصرنة الأوروبية أومن جهة التمسك بالتراث !

وفي الجانب الآخر نلاحظ متفلسفي النهضة الثانية، تعمقت عندهم الدراسات الفلسفية ، بخاصة  الدرجات 1 و 2 و 3، على نحو ما وجدناه بين أعلام الفكر الفلسفي العربي المعاصر، باحثين و تدريسيين و مترجمين. لكن لم يظهر بينهم فيلسوفا منظرا على مستوى العربية، و حسبهم قدموا جهودا ممتازة لا ينبغي أن  ننكرها أو نقلل من قيمتها.  ومن جهة أخرى، نشعر بالمسؤولية التاريخية عندما نركز بحثنا، هنا، على الدرجة 4 من رجال النهضة الثانية، فهؤلاء هم الذين يبدون لنا باستحقاق روادا لازدهار الفلسفة،[29] وهم على نوعين في إنجازاتهم الفلسفية:

(1) فلاسفة عرب، من الحق أن نحسبهم منظرين على مستوى عال من الشمول في الإبداع الفلسفي، لكنهم لم يصلوا للعالمية، لأن انجازاتهم الفلسفية، على الرغم من قيمتها العالية، لم تحسب فلسفة أصيلة بين الفلسفات المعروفة على مستوى العالم، ولأنها قامت على أسس الإتباع لفلسفات أوروبية بالعربية، فلم تستطع أن ترقى إلى العالمية. [30]

(2) فلاسفة عرب، من الواجب علينا أن نعترف أنهم قدموا أعمالا فلسفية  اجتهدوا في صياغتها على وفق تنظير الاستقلال الفلسفي، فسجلوا فيها قوة في الإبداع على نحو جديد، و هم على مستويين :

الأول/ ضيق محدود، فلم نجد لهم أصداء في القراءات الفلسفية العالمية إلا بما كتبه هؤلاء من كتابات باللغات الأوروبية،  أو بتدقيق باحثين أوروبيين، هنا و هناك، قصدوا التعريف بهؤلاء العرب في سياق الفلسفات الراهنة.[31]

والثاني/ انتشار مصنفات فلاسفة عرب باللغات الأوروبية من أصحاب المشروعات الفلسفية، وهؤلاء هم الذين نعوّل عليهم بالحكم على أساس الفيلسوف الذي  يمكن أن يقدمه العرب ليكون على مستوى العالم.[32]


 

(3)

إشكالية أن العرب لم يقدموا فيلسوفا على مستوى العالم:

 

أول ما يجب ملاحظته، هنا، أن اتجاهات المشتغلين بالفلسفة في العالم العربي تنوعت بتنوع الاتجاهات الفلسفية في الغرب ، فمنهم المثاليون ، و العقلانيون، والواقعيون، والتجريبيون، و الماديون، والوجوديون، والماركسيون، و البراغماتيون،  والليبراليون، والوضعيون …الخ. و من وجه آخر نجد أن منهم من حسب على التومائية والديكارتية و الكانطية والهيغلية ، بل وجدنا منهم من  هو غربي أو إسلامي في المنهج. وقد ظهرت منذ عهد قريب مذاهب معاصرة كفلسفة العلم و فلسفة اللغة و فلسفة الألسنية و فلسفة العقل …الخ. ” لكن بمقارنة مقاربة الفلاسفة الحديثين مع مقارنة أسلافهم، ورؤية كيف تتجدد المشكلات و يعاد تفسيرها، ربما يمكن لنا أن نكون قادرين على تعميق فهمنا، وأن نبدأ في تمييز ما هو مهم مما هو سطحي، كما نميًز الأمور ذات الأهمية  الباقية من الهواجس و الضلالات الزائلة. ” [33]

ومعنى هذا ، لكي نكون أمناء في بحثنا بخصوص الفيلسوف العربي الذي  نطمح أن يكون منظرا على مستوى العالم، لابد من توفر الوعي في عقولنا لكي ندرك القيمة العالية لمثل هذا الفيلسوف. إن التخلص من الخرافات و السخريات التي تتعرض لها الفلسفة في مجتمعنا الذي لا يحترمها، بل يقرنها بأوصاف متخلفة، وقد تخرج الألفاظ عن اللياقة . و من ذلك ما ينقله ناصيف نصار عن أحمد بيضون ، كما مر بنا، بشأن الفلاسفة  المتواجدين في قلعة مسورة  فوق جبل في جزيرة وسط بحر محيط ، فيبعد الناس عنهم لأنهم على اليابسة ! [34]

“إن لوحة كهذه اللوحة عن الفلاسفة بعيدة جدا عن الحياة و البراءة. فهي ترمي إلى خدمة نهج فكري محدد، إحدى سماته الرئيسية استبعاد الفلسفة من دنيا العرب. فمن هم الناس الذين يتصورون الفلاسفة بهذا الشكل؟  وما هو نصيب هذا التصور من الحقيقة؟ وما هي أسباب هذا التصور؟  وما هي نتائجه و طرق إصلاحه؟ لو كان النص الذي بين أيدينا يرمي إلى خدمة الفلسفة، لواجه هذه الأسئلة مباشرة ، و بجدية وموضوعية…ويذكر النص[35] أن بلاد الغرب هي قبل سواها بلاد الفلسفة….و لكن ، في بلاد الغرب، فئات كثيرة لا ترى في الفلسفة قلعة، ولا تتعامل مع الفلاسفة باعتبارهم سكان قلعة….وفي الحقيقة ، إن أهل الغرب ينظرون إلى الفلاسفة كما ينظرون إلى الشعراء و الرياضيين و الروائيين، فيرون بينهم كبارا عمالقة وكبارا غير عمالقة ، و صغارا و آخرين متوسطي المنزلة….علينا أن نبحث عن أكثر التصورات انطباقا على الفلسفة و الفلاسفة، من وجهة  التصنيف و المنزلة، في طبيعة و تاريخ الفعل الفلسفي  نفسه، لا في التصورات و التخيلات الشعبية الشائعة، مع أنها جزء مما ينبغي اعتباره لتكوين نظرة شاملة إلى منزلة الفلسفة في الثقافة و المجتمع…. وهكذا تلتقي حول صورة قلعة الفلسفة مصالح القوى ، الخارجية و الداخلية،  التي لا ترى لنفسها مصلحة في رعاية الفلسفة و في ازدهارها في الثقافة العربية….إن عصرنا من أكثر العصور إقبالا على الفلسفة و تنوعا في البحث الفلسفي. فما الداعي اختزال هذا التنوع [الفلسفي] وجعل حاضر الفلسفة يتمثل (إلى مدى بعيد) بمؤلفين ليسوا فلاسفة بالمعنى الحصري؟ “[36]

وبناء على ما تقدم، تكون الحاجة إلى تحليل الموقف الشامل بدرس إشكالية : لماذا لم يقدم العرب فيلسوفا منظرا على مستوى العالم ؟ ، هي الأخرى إشكالية ذات علاقة بالوعي الفلسفي الذي يجب أن يقترن بالعقل عند المفكر العربي وهو يتأمل المسائل الثلاث التي تشغل فكر أي فيلسوف في تاريخ الفلسفة منذ أفلاطون و أرسطوطاليس إلى يومنا هذا. و هذه المسائل هي: كيف نجيب سؤالا عن ما هو الوجود؟ ولماذا تكون المعرفة معضلة نحتاج إلى البحث فيها؟ وكم تتعلق مباحث القيم بالإنسان و المجتمع و العالم؟

فلو أخذنا موضوع الوجود، نجد إن الفيلسوف لن يستطيع أن يفصل بين  الوعي و العقل، لأن الوعي سابق على العقل. وليس من المقبول أن نتصور أن المشتغلين بالفلسفة عنوا بمبحث الوجود كما يجب، لأنهم لم يستندوا في عقلانيتهم في الوجود على وعيهم بالموجودات بسبب قراءتهم لفلسفة ديكارت والعقليين الذين ربطوا العقل بالوعي ، و هنا نلاحظ أن ” الوعي هو مجرد وهم خادع دسه ولاؤنا العنيد للمفردات الديكارتية  العتيقة ” كما يرى وليم ليونز.  [37] و بناء على ذلك ، لا يدرك المفكرون العرب ” أن فلاسفة العقل في المستقبل لن يعودوا إلى التفسير الديكارتي للوعي باعتباره الجوهر الفريد، والفذ للمادة غير الفيزيائية.”[38] بينما نجد من وجه آخر أنه  ” كان الوعي يصور، في تطوره الفلسفي الأكثر رقيا، على أنه مشروع متجاوز للخبرة البشرية ، [ فهو ] يسمو فوق الوجود المادي أو يتجاوز مجرد العلم التجريبي لأنه تضمن اكتشاف الحقائق التي قامت على العمليات النقية، [ وهي ] العمليات غير التجريبية للحجج و البراهين (=الحدس)”.[39]

ومن المفيد، هنا، الإشارة إلى ” أن ميل بعض الكتاب الحديثين إلى جعل الأفكار الفلسفية خالية من [ هذا ]السياق…من الممكن أن يؤدي إلى التحريفات الخطيرة. و لكن تظل الحقيقة هي أننا لكي نفهم فيلسوفا، سواء أكان قديما أم حديثا، نحتاج إلى إخضاع أفكاره للامتحان النقدي المتواصل. إن علينا، إن جاز القول، أن نتجادل مع الفيلسوف بدلا من تشرب أفكاره سلبيا. و مقاربة الموضوع بهذه الطريقة هي أن نأخذ مأخذ الجد الإلحاح السقراطي على أن دراسة الفلسفة هي في جوهرها عمل جدلي: إنها تتقدم بالحوار، [ أي ] بالمحاجة و المحاجة المضادة، لا بالشرح السهل…. إن الكثير من المسائل التي عالجها …المفكرون – [مثل ] معايير المعرفة الوافية، طبيعة الجوهر، بنية العقل البشري – ما تزال أمورا تحظى بالنقاش الفلسفي الشديد اليوم. وإحدى أهم الخصائص المميزة … للمشكلات الفلسفية هي رفضها أن تصبح مهجورة، و قدرتها على الفتنة و إثارة الأجيال المتعاقبة. ولدى تفحص العناصر المتنوعة للفكر العقلاني و تقويم الأفكار التي تتضمنها، يتعذر ، و لا مراء، أن نخطو خارج المحيط الثقافي و التاريخي الذي نجد أنفسنا فيه الآن. “[40]

ومعنى هذا أن الفيلسوف بحاجة إلى الصدور عن  المعرفة التي هي بحسب هيغل ” ما يميز البشر – بحق – هو الفكر أو الوعي أو العقل أو الروح …[ أي ] أن التاريخ الحقيقي للإنسان لا يبدأ إلا مع ظهور الوعي.” [41] وإذا كان الفكر الفلسفي العربي في التقدير لا يناقش مسألة الوعي و صلته بالعقل على نحو واضح ، فكيف نجد أنه من الممكن أن اهتماما بمسألة خطيرة هي أن  ” أحد أشباح الفلسفة الحديثة للعقل هو الوعي … و من ناحية أخرى فإن الوعي يوجد فقط على أنه تيار خاص من الوعي لشخص معين [بالذات] وأن محتوياته الظاهراتية ( الخاصة بالظواهر ) قابلة للمعرفة المباشرة فقط… أي إن الوعي ذاتي أو شخصي في كل من شكل الوجود و الطريقة التي يمكن أن يعرف بها. فالوعي، [ كما يرى ليونز بحق]،[42] يربك تساؤلاتنا الموضوعية بذاتيته الحقيقية والفعلية. “[43]

من هنا نلاحظ بجدية أن الفكر الفلسفي العربي النهضوي، لم يكن منفتحا على الوعي و العقل من جهة الأفكار التي ينبغي أن تأتلف لتكوين فلسفة حقيقية، غير ذات طبيعة زائفة معرفيا ، أو منتحلة أخلاقيا، بل إننا دائما نواجه  ” المشكل النهضوي معاق بالنظم السياسية و قراءتها للتراث. ” [44] و يأتي في هذا السياق أننا نجد عملية إلغاء مستمرة عند المفكرين العرب لبعضهم البعض، ” بل البعض  الذي يرى نفسه فيلسوفا وغيره [ ما هو ] إلا صاحب لغو “، [45] كما إننا  ” لا نعرف الى  اليوم …من يعترف بفضل الغير، إلا في القليل النادر، لأن الغير لا نحاوره، بل  نخاطب الناس عنه بما يستحق، و ما لا يستحق.”[46]

ومن العجب أننا نواجه مجموعة هائلة من الأسئلة و نحن نعالج موضوع الفيلسوف المعاصر في ثقافتنا العربية ، لكن ” السؤال الكبير، هنا : لماذا نقبل أحوال الغرب، أو ثقافة الغرب، بل كل ما يتصل بالغرب…لأن صدورنا العربي مضغوط بوسائل لا تنفتح على فهم ما هو غربي بموضوعية، منها ان صدورنا القومي عربي، و صدورنا العقائدي اسلامي، و نحن من العالم الثالث، وننتمي الى عرق مخالف للعرق الأوروبي…أليس كل هذا وذاك، يوقعنا في التمويه وإخفاء الحقيقة التاريخية في أن الغرب درس الشرق عامة و العرب خاصة، و كان صدوره العقائدي مسيحيا، و ينتمي إلى أعراق لا صلة لها بالعربية، فلماذا نعطي الحق لغيرنا في درسنا و لا حق لنا في دراسة هذا الغير؟ “[47]

وبناء على هذه الأقوال، نجد أن عملنا [ الفلسفي ] غير منظم، و بطيء، و غير دقيق على كل المستويات حتى نبدو إتباعيين أكثر منا إبداعيين[48]… و” منذ أكثر من قرنين و نصف من الزمان نترجم، و نعرض، ونشرح، و نفسر التراث الغربي دون أن نأخذ موقفا صريحا واضحا. وما زال موقفنا حتى الآن موقف الناقل ” [49]… لذلك، تداخل في فكرنا استنكار دائم لما يمكن أن يكون في جيلنا فيلسوف، أوّلا و بالذات، خصوصا بعد جيل الرواد الذين فتحوا لنا أبواب الاغتراب و التغريب، ليظهر الفيلسوف الذي يستطيع أن يلغي قراءات الغير، و يقرأ التراث الأوروبي من جديد، و يدرس معطياته من وجهة نظر الأنا الفاعلة، و يحدد مسارات الوعي الأوروبي وفق عقل الأنا التي تريد التغلغل في حقائق تفصيلات الآخر. لكن هناك بين مفكرينا من يرفض تسمية أيٍ منهم بالفيلسوف…[ و ] يستصغرون أن يكون بيننا فلاسفة، و كأن الفيلسوف صناعة غربية لا علاقة لها بالشرق، أو أن الأنا غير قادرة على التفلسف بالمستوى المطلوب من ما يقدمه الآخر. “[50] و يبقى السؤال : ” هل لدينا فلاسفة ؟ “[51] وهنا نجد أحكام البعض الذي يرى توفر الفيلسوف طالما أنه معنيّ بفلسفة الآخر، لكن بعضا آخر، ” ينفي وجود الفيلسوف بيننا في عصرنا الراهن…لأن مساحة الفكر العربي خالية من المفكر الذي يمكن وصفه حقا  بالفيلسوف ! ” [52]

ونتيجة طبيعية لهذا الانفصام في صياغة شخصية الفيلسوف، ” ظهرت عندنا الماركسية، و البراغماتية، و الجوانية، و الوضعية…الخ، فانشغل الناس بهذه [ الاتجاهات] في [حركة] الفلسفة العربية المعاصرة، حتى [ جاء] بعدها البنيوية و التفكيكية و الفوضوية…الخ ، وكلها معطيات الإتباع للفكر الغربي، و ليس من إبداع فكرنا العربي…[ومن هنا، نقول : ] إن الانفتاح على الآخر، ليس بمعنى تغريب الأنا، أو اغترابها، و لا استغرابها المعكوس ( = مقلوب المفاهيم)،  فهذا أمر ليس بمستعص علينا إدراكه في مسار فكرنا المعاصر. إننا ما نزال نتساءل كيف نتحرر من الغرب؟ وهل تحريرنا ، معناه، أن رفض الحضارة الغربية [ و الفلسفة منها أولا و بالذات] جملة و تفصيلا، كما يريد السلفيون؟ أو تحريرنا، معناه، أن نضع الحدود اللازمة بيننا و بين الغرب في عملية تشابك المصالح الفكرية، و الثقافية، و العلمية، كما يريد المنادون باستقلالنا العقلاني عن هيمنة الغرب علينا في السياسة والاقتصاد و السيطرة بالقوة على مجتمعاتنا؟ أو إننا  لا نحتاج إلى الانفصال عن مسار الغرب باعتبار أنه مصدرنا الحضاري المعاصر، كما يزعم التغريبيون و الاغترابيون بحسبانهم من صناعة الغرب…   ضمن أسواره في كل التفاصيل؟”[53]

 

وهنا نلاحظ في المصارعة بين الأنا و الآخر،  أن ” العيب فينا، لأننا نخاف، ونتردد، ونقلّد، و نخشى من كل تجديد في تراث الأنا واستيعاب تراث الآخر ، فنصدر عن أحكام مسبّقة تسورنا من كل ناحية، فلا يعقل أن يكون بيننا في هذا العصر من [ لا ]  يستطيع أن يستوعب دعوتنا إلى إعادة قراءة ابن رشد العربي (وليس اللاتيني أو العبري)،[54] فكيف سيقبل معاصرونا بأن يكتب أحدنا [55]عن أزمة العقلانية العربية المعاصرة “، [56]  أو دعوتنا إلى ” الحاجة إلى كانط و فلسفته في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. ” [57]

ونتيجة منطقية  لكل هذا الاستخلاص، نحن ما نزال نبحث في كل ما لدينا من تصورات على أمل أن نجد، بين المشتغلين بالفلسفة عندنا نحن العرب ، ذلك الفيلسوف المنظّر الذي يقدمه العرب إلى العالم ، حتى ولو كان بالفرضية أديبا، أو فنانا، أو شاعرا، بعد أن لم تثمر جهودنا في هذا البحث بأن نجد الفيلسوف المحترف، أولا وبالذات.[58]

 

[1] . دكتوراه فلسفة – جامعة كيمبردج ، الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي ، أستاذ الفلسفة بجامعة بغداد سابقا.

[2] .نحن لسنا بصدد عرض مواقف الناس من الفلسفة، في مجتمعاتنا العربية، و ما يتعرض له الإنسان إن هو حلل مسألة، أو عقب على موضوع، أو شرح قولا غامضا، أو صرح بأمر يفسر موضوعا فكريا…الخ ، فيقال له : كفى فلسفة، لماذا تتفلسف،و ما هذه الفلسفة ؟! وليس هذا بغريب على تخلف الناس بخصوص الفلسفة، و النظرة الدونية التي ينظر إليها المتفلسف من قبل الناس.  وهنا ينبغي مراجعة  ناصيف نصار في قوله : “رغم تنبهي الشديد للأسباب و العوامل و الأشكال التي تجعل استبعاد الفلسفة، والاستقلال الفلسفي، نهجا واسع القبول في الثقافة العربية، فإني لا أزال أكتشف لهذا النهج تعبيرات جديدة…” ( أنظر : التفكير و الهجرة، من التراث إلى النهضة الثانية ، بيروت 2004 ، ص 295 ).

[3]. .يتصور البعض مكان الفلاسفة بين الناس، فيرون  أنه  ” يلوح الفلاسفة لسائر خلق الله، و كأنهم سكان قلعة شامخة الأسوار، مستقرة فوق جبل تقصر عن سموه الأبصار، في وسط بحر محيط ” !. وهذه الصورة الكاركتيرية منقولة أصلا عن مقال لأحمد بيضون ( جريدة النهار ، بيروت، 8 و 10 تموز/ يوليو 1991) في نقده لكتاب مطارحات العقل الملتزم لناصيف نصار( بيروت 1986) الذي يرد عليه نصار في مقال نشره في جريدة  الحياة ،( لندن ،29-30/ 10/ 1991، وأنظر كتابه التفكير والهجرة ، ص 295 و ما يليها ، و بخاصة ص 296).

[4]. التفكير و الهجرة ، ص 297.

[5] . يراجع الأعسم ، إشكالية الحرية، مقاربة بين فلسفة الحرية و حرية الفلسفة ، مجلة المستقبل العربي ، بيروت 1/2009.

[6] . قارن بحثنا : الأعسم و الشمري ، أزمة العقل العربي المعاصر، مقاربة  بين إشكاليات الموروث و الوافد في فكرنا المعاصر، بحث في الندوة الحادية و العشرين للجمعية الفلسفية المصرية، جامعة القاهرة،  11-13/كانون أول- ديسمبر / 2010.

[7] . مفهوم الانحراف هنا هو خروج الفلسفة عن الأصول العقيدية في الموروث الديني، يراجع الغزالي ( كتابه تهافت الفلاسفة ، بيروت 1927) ا لذي  ” قصد  [ فيه ] مرة إلى ذم الفلسفة و تحقيرها، وبيان أنها لا تؤدي إلا إلى أخطاء و تناقضات ، و بذلك يصل إلى صرف الناس عتها، كما قصد مرة أخرى  إلى تكفير الفلاسفة لينزع الثقة منهم، و ليحول بين الناس و الإقبال عليهم، و أحيانا نراه يؤكد عجز العقل عن الوصول للحقيقة، و أن الإلهام التصوفي هو الطريق الأخير المأمون للوصول إليها، و أحيانا أخرى يجنح إلى المغالطة إذ يرد على الفارابي و ابن سينا موهما أنه بذلك رد على الفلاسفة جميعا، كما قد يكتفي بالجدل دون بيان الحق في مسائل النزاع مصرحا بأن غرضه هو بيان تهافت الفلاسفة لا بيان الحق في المشاكل المختلف فيها  ” ( أنظر : موسى، محمد يوسف ، بين الدين و الفلسفة في رأي ابن رشد  و فلاسفة العصر الوسيط، ط2، بيروت  1988،  ص 1، فقرة 3 ).

[8] .إن الغزالي ، بإعتباره ممثلا  لهؤلاء أجمعين ، فهو الذي  ” عمل حقا على هدم الفلسفة، و على بيان تهافت الفلاسفة فيما ذهبوا إليه من ناحية الدين و ناحية الفلسفة معا. ” ( قارن: موسى، المرجع السابق، ص 9 ، س 3-4 من أسفل) .و قد كشفنا في بحث لنا عن  نقد ابن خلدون للفلسفة ، (ضمن أعمال الندوة الدولية عن ابن خلدون في بيت الحكمة التونسي ، 13-18/آذار – مارس / 2006 ) بمتابعته للغزالي في (المقدمة ) على نحو مثير للغرابة حقا !

[9] . هكذا يذهب محمد عاطف العراقي  صراحة   في بعض كتبه إلى أن ليس هناك أي فيلسوف عربي من المشتغلين بالفلسفة في الجامعات !

[10] . يراجع ما يقوله موسى ( المرجع السابق ، ص 8، فقرة 5 – ص 9 س 1-2 من أعلى ) :  حول الفلاسفة  في المشرق و المغرب من السابقين على ابن رشد ، كيف أحسوا  ” الحاجة إلى التوفيق بين العقل و الوحي، أو بين الفلسفة و الدين، و كيف اشتدت هذه الحاجة حتى صارت مسألة حياة أو موت للفلاسفة بعد حملة الغزالي التي كان لها أثرها المشئوم، و كيف سلك كل هؤلاء و أولئك المفكرين الطريق إلى تلك الغاية  التي هي غاية الجميع، و ذلك ليتقرر السلم ، و يتم  التآخي بين الفلسفة و الدين، فيستطيع  الفلاسفة أن يعملوا في هدوء و أمن ، و يعم الانتفاع بجهودهم الفلسفية في سبيل كشف الحقيقة  التي يعبّر عنها  كل من الدين و الفلسفة بطريقة خاصة.” !

[11] .   هذا يشمل ما ذهب إليه الكندي،  و الفارابي، و ابن سينا في المشرق ( قارن : المرجع السابق ، ص 49، 54، 71) امتدادا إلى فلاسفة المغرب  كالبطليوسي و ابن طفيل( أيضا ، 74،82).

[12] . أول نشرة للكتاب ، ميونيخ   1859،  وأعيد طبعه مرات عديدة، أنظر طبعة  الكاثوليكية، بيروت  1961.

[13] . مثلا : موسى بن ميمون ،  (أنظر: موسى، بين الدين والفلسفة، ص 94- 95، 120- 124).

[14] .  أمثال : أبيلارد و  برنارد و ألبرت الكبير و توما الاكويني  ( أنظر : موسى ، المرجع السابق ن ص 127-129 ).

[15] .أنظر  بحثنا : مقدمة في عقلانية الخطاب الفلسفي العربي المعاصر ، ضمن كتاب الفكر الفلسفي العربي المعاصر، [ أعمال ندوة قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة – حزيران / يونيو  1998 ] ، سلسلة المائدة الحرة  (38) ، منشورات بيت الحكمة – بغداد 1999، ص 11- 18.

[16] .قارن : نصار، طريق الاستقلال الفلسفي، ط3 ، بيروت 1986.

[17]. استخلاص لما سبق أن قلناه قبل 12 عاما ، في مقدمة  كتاب  الفكر الفلسفي العربي المعاصر ، ص 15،16،17،18.

[18]. يراجع مثلا : كتاب الفلسفة في مائة عام ، منشورات الجامعة الأمريكية ، بيروت 1962.

[19] .إن النهضة العربية  لم تكن في سياق واحد منذ بدايتها حتى يومنا هذا ،  فهي بلا شك على مرحلتين : الأولى/ من منتصف القرن التاسع عشر الى نهاية الحرب الكونية الثانية ، و هذه هي النهضة الأولى. و الثانية/ من منتصف القرن العشرين إلى نهايته، و هذه هي النهضة الثانية ، و نحن نذهب إلى ما يروج له  ناصيف نصار ( أنظر كتابه باب الحرية ، إنبثاق الوجود بالفعل ، ط1 ، بيروت 2003) حيث نقرأ قوله :  ” في أن الشعوب العربية تحتاج إلى نهضة ثانية “( أيضا ، ص 19 و ما يليها )، وقوله: “في أن مفهوم النهضة العربية الثانية يستوعب ثنائية التراث و المعاصرة و يتجاوزها.” ( أيضا ، ص 25 و ما يليها )، و قوله : ” في أنه لا بدء لتحقيق النهضة العربية الثانية من التعامل الخلاق مع العولمة. ” ( أيضا ، ص 31 و ما يليها). و لكننا نخالف الصديق نصار في مسألة الحدود الزمنية للنهضة الثانية ، فهي برأينا بدأت بعد 1945 ، عندما بدأت الحركة الفلسفية تتصاعد و تائرها بظهور العمالقة العرب من المشتغلين بالفلسفة ، و ليس تقديرنا للنهضة الثانية بالقول إنها ” تجاوز لأزمة حضارية شاملة ” الذي اعتمد عليه الأستاذ نصار (أنظر: المرجع السابق ، 23).

[20] . مثلا : جمال الدين الأفغاني و محمد عبده .

[21]  مثلا : أنطون ، فرح : ابن رشد و فلسفته ، الاسكندرية 1903.

[22]  مثلا : أحمد لطفي السيد و منصور فهمي .

[23] .مثلا : طه حسين الذي أنجز أطروحته للدكتوراه عن ابن خلدون ، في مونبيلييه بفرنسا، سنة 1917 ، و قد أشتهر مفكرا كبيرا في تاريخ الأدب العربي ، ثم عميدا للأدب العربي. وزكي مبارك الذي حصل على الدكتوراه  في الفلسفة  بإطروحته  عن الأخلاق عند الغزالي ، سنة1924 من جامعة القاهرة ، لكنه تحول إلى الأدب ، و أشتهر أستاذا للأدب أكثر منه أستاذا للفلسفة.

[24] . مثلا : عباس محمود العقاد ، الذي كتب بعض الكتب الفلسفية ، لكن احترافه  التأليف قاده إلى نشر كتب  في  موضوعات  مختلفة دلّت على ثقافته الموسوعية الشاملة.

[25] . وهؤلاء لا يمكن إحصاؤهم ، فهم أعضاء الهيئات الندريسية  في أقسام الفلسفة بالجامعات العربية. ويمكن أن نذكر، هنا، الأساتذة المبرزين المشهورين  في وقتنا الراهن ، أمثال : طه عبد الرحمن و محمد المصباحي و عبد السلام بنعبدالعالي و عبد المجيد الصغير وسالم حميش و محمد وقيدي و كمال عبد اللطيف( المغرب) ، البخاري حمانة و عبدالرزاق قسوم ( الجزائر ) ، فتحي التريكي و ابو اليعرب المرزوقي و عبد الرحمن التليلي و عبد القادر بشتة ( تونس) ،أميرة حلمي مطر ومحمد عاطف العراقي و محمد غلاب و زينب الخضيري ومصطفى لبيب و محمد مهران ويمنى طريف الخولي و مصطفى النشار و رمضان بسطاويسي(مصر) ، ألبير تصري نادر وميخائيل وجورج كتورة و موسى وهبة  وجيرار جهامي( لبنان ) ، بديع الكسم وخليل أحمد خليل وعبد الحميد الصالح وأحمد برقاوي و يوسف سلامة (سورية)عادل ضاهر و أحمد ماضي و هشام غصيب و سحبان خليفات (الأردن) ياسين خليل ومدني صالح و عرفان عبد الحميد و حسام الآلوسي (العراق)…الخ.

[26] . أمثال : محمد عبد الهادي أبو ريدة ،أحمد فؤاد الأهواني ، فؤاد زكريا، عبد الغفار مكاوي ، نازلي اسماعيل ، عزمي إسلام ، إمام عبد الفتاح إمام ، فؤاد كامل ، جورج طرابيشي .

[27] . أمثال  : مصطفى عبد الرازق ، محمود الخضيري،  ابراهيم بيومي مدكور ،ثابت الفندي ، يوسف كرم  ، جميل صليبا.

[28] . يراجع  :حوراني ،ألبرت ، الفكر العربي الحديث في عصر النهضة ، منشورات دار النهار، بيروت 1968.

[29] . ابو العلا عفيفي  و علي سامي النشار وفريد جبر و عادل العوا وشكري عياد  وكمال الحاج  وماجد فخري.

[30] . محمود قاسم وخليل الجر وتوفيق الطويل ومحمد يوسف موسى  و يوحنا قمير وسليمان دنيا وأحمد محمود صبحي و كامل الشيبي ومحمد عمارة  وفهمي جدعان  ومحمود أمين العالم.

[31] . عثمان أمين و زكريا ابراهيم  و زكي نجيب محمود ومحمد عزيز الحبابي و فريد جبر و تيسير شيخ الأرض.

[32] . عبدالرحمن بدوي و محسن مهدي و عبدالله العروي و ناصيف نصار و الطيب تيزيني و محمد عابد الجابري.و حسن حنفي.

[33] . قارن : كوتنغهام ، جون، العقلانية فلسفة متجددة ، منشورات المركز الانمائي الحضاري ، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، ط1 ، حلب 1997 ، من كلمة المترجم ، ص 8.

[34] . راجع النص فوق الهامشين 3 و 4 .

[35] .  المقصود ، نص أحمد بيضون ، راجع الهامش 3 السابق.

[36] .استخلاص لدفاع الأستاذ نصار عن  اتهامات أحمد بيضون للفلسفة ، ( قارن : التفكير و الهجرة ، صفحات 298- 301).

[37]. أنظر بحثه  ” فلسفة العقل  ” ضمن كتاب مستقبل الفلسفة في القرن الواحد و العشرين ، تحرير أوليفر ليمان، ترجمة مصطفى محمود محمد، مراجعة رمضان بسطاويسي، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت 2004، ص 245- 268.راجع ص 257-258.

[38] . ليونز ، البحث السابق ، ص 258، س 1-2 من أسفل.

[39] أيضا ، ص 257.

[40] .أنظر : كوتنغهام ، العقلانية ، ص 21.

[41] . أنظر إمام عبد الفتاح إمام ، مقدمته لترجمته لكتاب هيغل : العقل في التاريخ ، ط 3، بيروت 2007، ص 40-41.

[42] . أنظر بحثه عن فلسفة العقل ، ضمن كتاب مستقبل الفلسفة في القرن الواحد و العشرين، عالم المعرفة، 301.

[43] ليونز، المرجع السابق ، ص 256.

[44] . أنظر الآلوسي ، حسام ، في بحثه : ” نقد المذاهب الأخرى  من خلال المذهب التكاملي “، الذي ينقد رؤية الماركسيين العرب للتراث الفلسفي الاسلامي ( و يقصد هنا الطيب تيزيني )، و رؤية  الابستمولوجيين العرب  في التراث و الحداثة للتراث الفلسفي العربي ( و يقصد  هنا محمد عابد الجابري ) . و الغريب لا يرى الآلوسي أن ما يسميه بالمذهب التكاملي، و ينسبه الى نفسه، بدعوى الرد على الاثنين السابقين، إنما هو رؤية غير ناضجة لإقامة حجج مستندة على وعي فلسفي  بالمشكل التراثي أو وفق العقل الفلسفي بتفسير هذا التمسك بالتراث ، فجاءت أقواله غير منظمة لا معرفيا و لا منهجيا. يراجع كتاب الفكر الفلسفي العربي المعاصر، ص  309 – 413 ، و بخاصة ص  390 س 5- 6 من أسفل.

[45]. يراجع بحثنا عن فلسفة حسن حنفي في الاستغراب ، اسهام في تحرير الأنا من أسر الآخر و تنوير الآخر بمعرفة الأنا ، مجلة الجمعية الفلسفية المصرية ، السنة 18، العدد 18 ، القاهرة 2009 ، ص 85- 128، و بخاصة  ص 87 ، س 7-8 من أعلى.

[46] .أيضا ، ص 87، س 2-4 من أعلى.. وقارن التفاصيل ص 86 – 88.

[47] . أيضا ، ص 96 ، س 2 وما يليه.

[48] .أيضا ، ص 104، س 6-7 من أسفل.

[49] . حنفي ، حسن ، ماذا يعني علم الاستغراب ، بيروت 2000، ص 94-95.

[50] .أنظر بحثنا في مجلة الجمعية الفلسفية المصرية ، ص 105، س 6 و ما يليه.

[51] . حنفي ، ماذا يعني علم الاستغراب؟ ، ص78. إن تساؤل حنفي ، هنا ، يدلل على الطريقة الانبهارية بوجود الفيلسوف في فلسفتنا المعاصرة، و كأن إفتراض عدم وجوده  يمكن أن يقود إلى احتمالية إفلاس فلسفي للفكر العربي المعاصر،

[52] . يراجع بحثنا في المرجع السابق ،ص 105.

[53] .أيضا ، ص 107، 108، 109.

[54] . أنظر بحثنا : ابن رشد المعاصر – قراءة تشريحية للموروث  و الوافد من ابن رشد باعتباره فيلسوف العصر، مجلة  كلية  الآداب/ الانساانيات و العلوم الاجتماعية / جامعة القاهرة ، مجلد 67، العدد 4 ، اكتوبر 2007 ، ص 207 – 235. فهناك قلنا:

”  إن التطرف في قراءة الموروث الرشدي، تعصبا له أو عليه، لا يخدم حالنا الراهن في واقعنا الفلسفي العربي المعاصر، لأن استمرار الربط بين ما كان من ابن رشد في زمانه وعصره، و ابن رشد الذي نراه في هذا الغصر، يجب أن لا يغادر قلقنا الدائم مما يحدث من فوضى المناهج الفلسفية التي نلاحظها بوضوح عندما نقارن ما نحن عليه من فكر فلسفي يسعى حثيثا لصيرورة فلسفة عربية معاصرة، و ما نجده من فلسفات الغرب عندما نجد مجموعة من الأسئلة أمامنا تحتاج إلى أجوبة حقيقية: ماذا أصاب الفلسفة؟ و كيف نتجت عنها أفكار لا نحترمها؟ و لماذا تصدى لها فلاسفة لم يحترموا تاريخها الطويل؟ و أخيرا، كيف نفسر القطيعة التي حدثت بينها في القرن العشرين و بين ما كانت عليه قبله، أو ما سيأتي بعد الحداثة في القرن الحادي و العشرين؟ وكأن اهتمام المشتغلين بالفلسفة في الوطن العربي بابن رشد على النحو الذي رأيناه، و في الاتجاهات المختلفة في التفاصيل، بين موروثه و رؤى العصر له، يدل عندنا على أن الدرس الفلسفي [ الراهن ] يختبيء وراء ابن رشد المعاصر، لأن أصل الفلسفة عندنا مفقود كإبداع يعيد إلينا  ثقتنا بما نريد أن نقول نحن اليوم، لا كما نتصور أقوالنا في تفسير ابن رشد و تأويله على وفق معطيات العصر، التي كثر فيها الاختلاف إلى حد الخروج عن المألوف، لا الائتلاف الذي يقود إلى فلسفة عربية معاصرة ” ( أيضا ، ص 230- 231 ).

  1. 55. وأخيرا أنجزنا بحثنا : أزمة العقل العربي – مقاربة في الموروث و الوافد في الفكر العربي المعاصر ، أعمال الندوة الحادية و العشرين للجمعية الفلسفية المصرية / جامعة القاهرة / 11-13 ديسمبر 2010. وهناك استخلصنا من نتائج بحثنا أننا وجدنا النصف الثاني من القرن العشرين يعج بصخب المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية لدراسة ما اذا كان لدينا فلسفة ؟ وأين تكمن هذه الفلسفة؟ و كيف يتم استثمارها؟ ومتى تنتج فيلسوفا على صعيد التأصيل مرة أو المعاصرة مرة أخرى!

[56] راجع ما قلناه في خاتمة بحثنا عن فلسفة حنفي في الاستغراب ، مجلة الجمعية الفلسفية المصرية، ص 126.

[57]. أنظر بحثنا المذكور في مجلة  الفلسفة والعصر ، تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة  2007 ، ص 249 – 267. وهناك بيّنا  الحاجة الى فلسفة كانط ( أيضا ، ص  261 عود 2، 262 عمود 1 و 2) ، و أكدنا على ” التداخل بين حاجة العربية الى كانط نفسه، و إلى فلسفته المتعالية، …لأن المشتغلين بالفلسفة في العربية تأثروا بمواقف ما بعد كانط في التراث الغربي ” ( أيضا ، ص 262 عمود 2 , فقرة 2 ). و هذا  يوضح لماذا العربية لم تفد من دراسته في تأسيس فلسفة عربية معاصرة .

[58] . تراجع  أحدث محاولة متميزة لعادل ضاهر في دراسته الفلسفية المعمّقة عن الشاعر المتفلسف المبدع أدونيس ، فهناك نلاحظ رصانة الربط بين أشعار أدونيس و أفكاره و بين الفلاسفة على نحو نادر مثير للإعجاب. ( يراجع : ضاهر، عادل، أدونيس أو الإثم الهيراقليطي ، دار التكوين للتأليف و الترجمة و النشر، ط1 ، دمشق 2011 ).

 

 

 

 

Advertisements
 

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: