RSS

اشكاليةالحرية

 إشكالية الحرية

           

مقاربة بين فلسفة الحرية و حرية الفلسفة في فكرنا المعاصر

 أ.د. عبدالأمير الأعسم

 أستاذ زائر  بجامعة عدن

 ” بحث مقدّم للندوة السابعة عشرة  للجمعية الفلسفية  المصرية / جامعة القاهرة :  17- 19 كانون أول – ديسمبر 2005،  و نشر في مجلة المستقبل العربي /مركز دراسات الوحد  العربية ، بيروت ، عدد 359 ، كانون ثان – يناير 2009،  الصفحات 103- 126.”

محتويات البحث :


  1. توطئة: في أن الحرية مطلب انساني.
  2. في أن الوعي بالوجود سابق على الحرية.
  3. في أن فكرة الحرية تتناقض مع الواقع.
  4. في أن لدينا أزمة في استيعاب فكرة الحرية.
  5. في أن الاختلاف  يقع في مفهوم الحرية.
  6. في أن العقل هو مصدر الوعي بالحرية.
  7. في أن الوعي بالحرية بحاجة الى الفلسفة.
  8. في أن  الفلسفة بحاجة الى الحرية.
  9. في أن اشكالية الحرية معضلة انسانية .
  10. مرجعيات البحث.


  1.  توطئة في أن الحرية مطلب انساني:

      ان البحث في أية اشكالية يتطلّب تحديد أصول  فكرة الموضوع  في اللفظ والمعنى المؤديين الى الاشكال في تحديد المفهوم ، و بعدها يمكن معالجة جملة الوظائف المتصلة بتكوين  هذا المفهوم  و بنيته. أي بمعنى ،  نحن ازاء اشكال أولي فيي مفهوم ” الحرية”، التي  يمكن ان تتمظهر كفكرة صدرت عن وعي انسان  ما، في زمان ما، في مكان ما من هذ العالم. فلو رجعنا الى موروثنا ( موروث الأنا) لوجدنا مثلا مقولة  لعمر بن الخطاب : ” متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ” ، هذا السؤال اختزل الكلام في أصل الوعي بالحرية ، لكن هذه العبارة للأسف لم تفعل  في الفكر العربي، ولا الاسلامي،  فعلها الحقيقي  الذي يتطلبه معناها، لا في التفسير و لا في التأويل !.. و من ناحية أخرى نجد، أيضا، في الموروث الأوروبي ( موروث الآخر) مقولة لفولتير “ لا وجود لوطن الا بمواطنين أحرار“، هذه العبارة  استطاعت بحقّ أن  تفعل فعلها في الفكر الأوروبي فيي عصر الأنوار و بعده  الى درجة الانفتاح  على كل تفسير و تأويل.

     وهنا، لا يغيب عن بالنا أن الحرية، اذن، استخلاص لأفكار قديمة نبعت في عقل الانسان الأول وهو يكتشف وجوده في خضم حركة الأشياء في هذا العالم، وقد أفرزت ظروفه وقتذاك أسئلة عن ذاته، وعلاقته بالغير، ومن ثم علاقة الذات والغير بآخرين في المجتمع الأول. فعرف الانسان (الفرد): كما أن له حقوقا و واجبات فهي متصلة بتفاعل مستمر مع حقوق و واجبات غيره من الناس. و هكذا تحددت التفاصيل في الصلات التي ينظمها القانون في الأفعال الانسانية. والقانون من فعل العقل الجمعي الذي أراد منه الانسان أن يشعره بأنه عاقل ويدرك ما يدور حوله في هذا العالم. وفي أزمانلاحقة، صارت الحرية مطلبا انسانيا عالميا، كما نصّت عليها لائحة حقوق الانسان، في فرنسا 1789: “الناس يولدون ويظلون اأحرارا متساوين في الحقوق“، هذه العبارة التي تتضمن المعنى الحقيقي لمقولة الخليفة عمر،  كما تنصّ علىا لمؤدّى الوظيفي لمقولة المستنير فولتير. وهكذا … نحن دائما أمام حقيقة هي أن الانسان يسعى الى الحرية : يولد حرا ، ويستعبد عند سلب حريته، ولا وطن له الا وكينونته حرا، يتساوى مع مواطنيه الأحرار في الحقوق والواجبات كلها !

        انّ البحث في أسئلة الحرية، بأي شكل كان ، لن يفتح علينا أجوبة نهائية، على الرغم من التراث الضخم الذي تناول الحرية بالدرس والبحث والتأليف على نحو لا يمكننا فحصه و تدقيقه، فهذا عمل صعب المنال! لكن من الممكن أن ندلي بدلونا في جزئية اشكالية الحرية  ومدى اقترابها الى الفلسفة، أو اقتراب الفلسفة منها. لذلك، نحن في هذه المقاربة نحاول أن نكون مع زملائنا المزدحمين على باب الحرية  ليطرقوها، استئذانا للدخول الى فنائها الواسع والشائك والمعقّد ، فهل نستطيع ؟  نرجو أن نقدر على ذلك في بحثنا المتواضع هذا …


2. في أنّ الوعي بالوجود سابق على الحرية:

  

      لابدّ لنا في البداية أن ندرك أن معنى الحرية يتنوّع بحسب رغبات الانسان الذي يعبّر عن انسانيته بالأفعال من جهة ، أو يستكشف بالفكر، من جهة أخرى ،  عن موقعه ضمن حركة الأشياء في هذا العالم. و هنا يجب أن نلاحظ أن الانسان منذ عهد سحيق في القدم اكتشف ، من بين الظواهر المختلفة التي تحيط به، ظاهرة أنه يطلب الحرية بعد أن بزغ في ذهنه  سؤال : هل أنا حرّ ؟ . و معنى ذلك أنه سعى الى سؤال الحرية بعد أن اكتشف ذاته، و الا من غير الممكن تصوّر أن يطلب الحرية لذاتها و التي لا يعرف مكنونها بعد !

      نحن اذن ازاء مشكلة الوعي بالحرية ، و ربط هذا الوعي بالوجود ، أي بمعنى  ” ان سؤال الحرية سؤال عن حاضر الانسان و عن مصيره، بل  وعن ماضيه و كيفية و عيه لذاته ” [ أحمد برقاوي ، مقدمة في التنوير، 146] ، فاذا صح هذا القول ان سؤال الحرية يمكن أن يشمل أزمنة الانسان، الماضي و الحاضر و المستقبل، فانّه  لا يصح  في سؤال ” كيفية وعيه لذاته ” ،لأن الوعي الوجودي للذات  سابق على الوعي بالحرية ، و لأن سؤال الحرية  لا يأتي الا بعد أن  يكون قد عرف ذاته . أما  كيفية وعيه بالذات  وجوديا، فهذه عملية عقلية غير قابلة للتوازي في الصدورأصلا مع معرفة الحرية  التي يجب أن تكون تالية لسؤال (هل أنا موجود ؟)، فيتحقق   من بعد السؤال ( هل أنا حر؟) .

      فالأسئلة : هل أنا موجود؟ و لماذا أنا موجود ؟ و ما علاقتي بالموجودات من حولي؟ و ما علاقة هذه الموجودات ببعضها ؟.. وهكذا ….كلها أسئلة لا تستوجب أولا معرفة الانسان بحريته … لأن الحرية ،هنا، تابعة كغيرها من الخصائص الانسانية لمعرفة الوجود المشروط بأنه وجود عقلي ، وقد تعوّدنا على تسميته بالوعي. و قد جازف كثير منا بتناول الوعي على أنه شعور أو احساس ، و قليل منا ربط الوعي بالعقل على النحو الذي نفهمه اليوم في الفلسفة المعاصرة [ راجع في معاني الوعي :  ليونز،  فلسفة العقل،  256-258].

     وبناء على ذلك ، أن الوعي بالحرية هو تعقّل معطياتها بعد أن نكون قد استوعبنا قيمة الحرية بالنسبة لنا كعقلاء ندرك ذواتنا و ما يحيط بها من أشياء في هذا العالم. و  انّه من الصحيح ، بعد هذا، أن يقال، كما يرى برقاوي، انّ هيغل كان على صواب في مقولته ” انّ التاريخ هو مسار وعي الحرية بذاتها ” [برقاوي، مقدمة، 147] ،  فانّ ما ينقل عن هيغل هنا  لا يدلّ على فهم التاريخ سجلا لحوادث تتصل بالحرية، بل انه سجل للوعي بمشكلات الانسان مع هذا العالم ، و الحرية واحدة من أكبر و أعقد هذه المشكلات ! وتبعا  لناصيف نصار ” اذا كان هيغل فيلسوف الحرية، فهو أولا فيلسوف الروح المطلق، وبوصفه كذلك هو فيلسوف الحرية.” [ باب الحرية، 320].

        ومن هنا لا نستطيع أن نقاوم رفض  أولوية فكرة الحرية و تقدمها على كل القيم التي تفجّرت عن تطوّر مسار العقل، من أشكال الوعي الأخرى، وهي كثيرة كما نعلم جميعا! و بقدر ما يبدو هنا صحيحا قول البرقاوي ” انّ وعي الحرية أكثر أشكال الوعي أصالة لدى البشر” [ مقدمة، 146] ، فانّ الاستنتاج غير واضح في  مقولة ” مسار وعي الحرية بذاتها ” كما قصد هيغل! لأنّ  التاريخ  كما يرى نصّار هو ” التاريخ الكوني- تاريخ الطبيعة الفيزيائية و الطبيعة النفسية – يتحدد جوهريا ، في نظره، بأنه تاريخ الحرية”[ باب الحرية، 321].  

3. في أنّ فكرة الحرية تتناقض مع الواقع :

      وبناء على ما تقدّم، يمكننا القول ان فكرة الحرية من الناحية العقلية هي غير شكل الحرية التي يتطلع اليها الانسان لتنطبق على الواقع. وهذا اللبس يمكن أن يزول عندما نطلب الحرية لتنفيذ حاجة أو رغبة ، و هو طلب قابل للخطأ بحسبان أن أحاسيسنا ،أو مشاعرنا، متساوية في وزنها الانفعالي مع مجريات المحيط الطبيعي او الاجتماعي أو التربوي. فكل حلقة في هذه المجريات تدور بصور مختلفة بعدد الأفراد الذين يتحركون ضمن مدارات كل صورة. و من هنا، صار العقل الجمعي للناس، على مدى التاريخ، يتعمّد باسم الجميع ( أو أغلبهم ) أن يضع القوانين و الشرائع لضبط العلاقات المتفاعلة بين الأفراد. و أحيانا نستمد هذه الضوابط من قوى متعالية (=الهية) ، أو من قوى خارقة (= بشرية متألهة)، و من قوة مستبدة مهيمنة مطلقة (= الملوك و السلاطين )، ولكن في أحيان أخرى ، تنبعث سلطة القوة من الناس فنسميهم ممثلي الأكثرية من الناس (= النخبة )… و تبقى نظرية العقد الاجتماعي لروسو مثلا حيا لهذه السلطة الأخيرة التي نسميها اليوم الديمقراطية التي لم تتخلّص هي الأخرى من موازين قوى الاستبداد و سلب الحريات!

      ان من االيسير علينا ، بعد الامعان في التاريخ، أن نلاحظ ما يقوله نصّار” أن الوعي  بالحرية يتمظهر و يتبلور في فكرتنا عن الحرية. و فكرتنا عن الحرية تتمظهر و تتشكّل في عقلية و في ثقافة اجتماعية . بيد أن الوعي بالحرية لا يجري في عالم الفكر المجرد ، بل في عالم التجربة الاجتماعية الحية” [باب الحرية ، 81]

      ومعنى هذا أن أفكار الانسان عن الحرية  تنمو وتتكاثر وتنشطر فتدفعه الى البحث عنها خارج الفكر عندما عرف غيره ، وعرف الأشياء من حوله، وعرف حركة هذه الأشياء في العالم وموقعه منها وعلاقته بها، وصار يتعقل المعاني بعد ادراكه لمحسوسات الواقع. وللتناقضات التي يكتشفها الانسان في الحرية كفكرة والحرية الى يتطلع اليها في الواقع، تظهر أشكال من المطالب بالحريات بحسب الاستيعاب العام للناس وطبائعهم وتربيتهم وتقاليدهم وثقافاتهم وبيئاتهم ، وهكذا… نجد الانسان يجابه السلطات، التي ابتدعها أو فرضت عليه بسلطة ما، فيحاول التملص منها بأي شكل متى ما اصطدمت بمنفعة أو مصلحة أو رغبة أو حاجة، فتصبح الحياة آنئذ صراعا بين ما هو كامن في الذات ، وبين ما كائن في الواقع الخارجي !

        انّ  التطلع الى الحرية الذي يأتي من الخلط الواضح بين الحرية الاجتماعية و الحرية الكيانية  من جهة ، والحرية  كغاية والحرية كوسيلة، هو من أشدّ الموضوعات الشائكة التي تحتاج منا الى تبصّر لحل اشكالياتها بمجموعة من المقاصد. وقد فطن ناصيف نصّار الى هذه المقاصد و فسّرها تفسيرا غير قابل للطعن ، فهو يقول:

     ” ..في الحقيقة، تختلط في القول بأن الانسان يتطلع الى الحرية أفكار عدّة،بعضها صحيح ، و بعضها غير صحيح… التطلع الى الحرية امّا أن يكون بالاكتساب، وامّا أن يكون بالاستعادة … انّ الانسان يتطلع الى وضع يتمكن فيه من ممارسة الحرية عمليا …. و لكن، من الواضح أن [هذه] الحرية ،  ليست الحرية الكيانية، بل الحرية الاجتماعية، المتمظهرة في التصرف العملي و العلاقات الاجتماعية. انها ممارسة الحرية … أمّا الحرية في ذاتها، أعني الحرية الكيانية، فانها لا يمكن أن تكون موضوع اكتساب، و لا موضوع استعادة. فهي امّا موجودة، و امّا معدومة. … اذن ، ليست الحرية غاية للانسان، [ف] الانسان لا يتطلع الى الحرية الكيانية، لأنها ليست خارجا عنه…ان الحرية مطلوبة ، لا من أجل ذاتها… بل من أجل غيرها من الغايات، الانسان يتطلع الى ممارسة الحرية… ولربما قاد هذا الاستنتاج الى الظن أنها مقصودة في الظاهر كغاية، و مقصودة في الحقيقة كوسيلة. غير أن تطبيق مفهوم الوسيلة على الحرية قد يؤدي الى سوء فهم لوظيفة الحرية في الوجود الانساني، لأنه يجعلنا ننظر اليها كأنها في عداد الوسائل اللازمة لبلوغ الغاية، في حين أنها هي التي تختار تلك الوسائل، كما تختار الغاية “[باب الحرية،160-161].

     ومعنى ذلك، أن الانسان الذي يطلب الحرية، انما يسعى الى دفع قيود السلطات عنه، تلك  القوى التي اختلقها اصلا لنفسه و لغيره من الناس، وهنا نحن ازاء مشكلة مركزية في الحرية : كيف يتوصل الانسان الى موازنة حقيقية بين ما يبيح لنفسه من الأفعال  المختلفة ، و ما لا يبيحها لغيره. أي بمعنى أن يلغي الحرية العملية عند الغير، بل إنه يسلبهم حرياتهم ، كما فعل الطغاة في التاريخ!ّ   فالواقع الخارجي، الذي اكتشفه الانسان  منذ عهد بعيد، لم يكن  و لا يكون  و لن يكون متطابقا مع فكرة الحرية التي نسجها الفكر في تطوره التاريخي من الفرد الى الأسرة ، الى المجتمع، الى الدولة، و الى الأمم الأخرى، و إلا لما كانت هناك اية حروب تذكر في التاريخ!!

       و من هنا ، نلاحظ  ، كما يرى ناصيف نصار، ” انّ البحث الفكري في الحرية و ميادينها، كالبحث الفكري في أي موضوع آخر، مفتوح لأنواع من الحجج و الحجج المضادة، لدرجات من الاقتناع العقلي و الشخصي ” [ باب الحرية، 255] . و بناء على ذلك نجد أنّ  فكرة الحرية من جهة التكوين  تتنافر أحيانا مع بنية الأفعال و تولّد هذه الأفعال على نحو يتمظهر بحاجة حقيقية الى الموازنة بين الخير و الشر فيما ينتج عن هذه الأفعال، و لهذا قال المعتزلة انّ الانسان مسؤول عن أفعاله بخيرها و بشرها! و بقدر الصدق المنطقي  في هذه الحقيقة ، فهي مصدر قلق لكل من يقول بفكرة الحرية في السلوك الذاتي والاجتماعي و المدني و السياسي و الطبيعي، و كلها حالات ترفض أن تكون الحرية المجردة في غير العقل الذي  صاغها جبرا أو اختيارا.

   4. في أنّ لدينا ازمة في استيعاب فكرة الحرية:

         انّ مناط كل هذه الأفكار التي مرت بنا يرجع بمعنى آخر الى أن فكرة الحرية، من جهة العقل،  تتسع و تتقلص بحسب القدرات العقلية للانسان ، فهي قابلة لكل حالة يذهب اليها الفكر نفسه في التحليل و التركيب و النقد. بينما نلاحظ الحرية من الناحية العملية ممارسة في الواقع و تخضع لظروف تعمل على غيابها و ليس على وجودها. و انّ الوعي بالحرية ، كفكرة ، هو محاولة متعددة الوجوه للاجابة على كل الأسئلة عن ماهية الحرية، و اين تكمن في الانسان، و كيف نفهمها بحسبانها مطلقة، و هل يمكن أن تكون نسبية، و هل نسبيتها تعني أن تمارس في الواقع الخارجي ؟؟… و هكذا ندرك أن هناك ازمة حقيقية في استيعاب فكرة الحرية، من منطلق تحليل الوعي بها، و اعادة تركيب حرية هذا الوعي. وهنا نجد أنفسنا ، أيضا، في زحمة ما بين أيدينا من مشكلات أننا دائما أمام  فكرة الحرية غير القابلة للاستيعاب في جملة التناقضات في تكوينها و بنيتها.

         انّ فكرة الحرية لا يمكن أن تتحقق الا بتحولاتها من الفكر الى الواقع فتأخذ أشكالا  تبعدها عن أصول معانيها في الفكر والتي لا يمكن صيرورتها الى معطيات مادية في الأفعال التي تختلف بين ما هي من جهة الفكر أو من جهة الممارسة !    فنحن ، عندما نتحدّث عن الحرية  الانسانية ، نجد أنفسنا أننا نمارسها كفرد أو مجموعة أفراد، أو نخبة مفروضة علينا بالتطبيع اختيارا، أو طبقة اجتماعية هيمنت علينا جبرا و بالقوة، أو دولة تقع منا موقع الاستبداد أكثر مما هي مصدر للحياة الحرة الكريمة. و على هذا يتأسس  الفكر الليبرالي ، و هو بحسب نصّار ”   فكر الحرية في الوجود الشخصي و الاجتماعي، لا يكتفي باعتبار الحرية معطى بديهيا ، و لا يتخلى عن مهمته لجهة التفكير في مشكلات الحرية، و في تناقضاتها و   مفارقاتها ” [ باب الحرية، 89]. وبهذا المعنى  يمكن أن نتصوّر كيف يمكننا أن نفسّر لماذا نعيش  في فوضى فكرية أكثر من العصور القديمة أو الوسيطة ، لأن تلك المجتمعات لم تكن تعوّل على تحقيق الحرية على النحو الذي وجدناه في الحضارة الحديثة في الغرب، فقد تشوّش مفهوم الحرية  لغلبة التقلبات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية… الخ، حتى بدا لنا أن قول ايزايا برلين يفصح  عن هذه الفوضى في العصر الحديث بالقول ” ربما لم يسبق في التاريخ الحديث أن جرى تغيير حياة ومعتقدات هذا العدد الكبير من البشر في الشرق و الغرب بهذا الحمق و تعرّضها الى هزات عنيفة من قبل نظريات اجتماعية و سياسية متطرّفة ، لأن اهمال الأفكار … قد يؤدي أحيانا الى اكتسابها قوة كاسحة لايمكن مقاومتها أو كبحها  تفرض على أعداد هائلة من البشر الذين يصبحون على درجة من العنف لا يمكن معها التأثير فيهم بالنقد العقلاني ” [ حدود الحرية،  6] .

       و نتيجة طبيعية للتناقض و الفوضى في استيعاب فكرة الحرية للواقع،  نجد أنّ غياب الأبعاد النفسية و التربوية و الأخلاقية في معارك الحرية بين  الشرق و الغرب قد ازداد الاختلاف في مفاهيمها المتعددة تبعا للنزعات  و الرغبات و الميول و الاتجاهات و الدوافع … الخ ، فصارت عملية التنافر هي من أهم خصائص الحرية التي تطفح على سطح الأحداث و مجرياتها ، فتمظهرت بشعارات غلب عليها الزيف و الكذب و التمويه و الخداع في الواقع الانساني. و مع ذلك ، تبقى فكرة  ” الحرية مشكلة فلسفية سيطر هاجسها على السؤال الفلسفي عبر رحلة الفكر البشري حتى يومنا . فغدت مقولة يصعب تصوّر مدلولاتهاخارج الواقع الانساني كونها معملا قويا، و كافيا في تحريك الوجود الانساني و تنشيطه، بل تكاد تكون هي من يحدّد مكانة و مستوى الفعل الانساني الذي لا يخرج بدوره معبّرا عن درجة حضور أو نفي الحرية ” [عبد الشيخ، الحرية، 162].

      و في هذا الشأن يقول عبدالله العروي ” ان نظرية الحرية لا تثبت بأي حال واقع الحرية، بل يمكن القول انّها في الحقيقة تخفي الحرية من الحياة اليومية، فهي تعبّر عن الجدلية الملاحظة في التاريخ” [ و لهذا يرى العروي] ” تتضخّم الحرية في الفكر بينما تضمر في الواقع ” ! [ مفهوم الحرية، 85].

      انّ هذا الحكم على الحرية ، بحسب العروي، يأتي من تبنّيه الاتجاه الليبرالي الغربي  الذي يفصح عن  موقف صريح من الانحياز الى  (الآخر) على حساب       ( الأنا) ! و لكن الحقيقة  أن  نظرية  الحرية  لا تكون الا محكومة بالواقع المادي للانسان  الفرد و الا فنحن نسيء فهم  أن الحرية في الليبرالية الغربية لم تكن تسعى الى  حرية المجتمع بحسبانه يمثّل الأفراد ، وهؤلاء كل واحد منهم  يستحق الحرية الفردية التي لا تتمظهر في الواقع الاجتماعي الخارجي للفرد باعتباره انسانا . و هنا نلاحظ قضية الحرية برمتها تبدو  كأنها تطالب بها المجتمعات فتأتي على حساب انحسار الحرية عند الانسان الفرد، كما نلاحظ  في قول برلين ” لقد جاء الليبراليون [ = الغربيون] في النصف الأول من القرن التاسع عشر بنبوءة صائبة مفادها أنّ الحرية بهذا المفهوم الايجابي قد تقضي على عدد كبير من الحريات السلبية التي يقدسونها. و أشاروا الى أنّ سيادة الشعب ( المجموع) و استقلاليته قد تقضي على استقلالية الأفراد ” [حدود الحرية، 65]. وهذا ما يحدث دائما في كل ا لمقارنات بين حرية الفرد و حرية الجماعة !  و بناء على ذلك ، نجد فكرنا المعاصر لم يحسم هذه المسألة حتى و ان ظهر بمظهر عقلاني نقدي في  هذا المقام لأنه  على الأقل لا يميز ما انتجه المفكرون  في كتابات عصر النهضة العربية . و يبقى لدينا ما استخلصه العروي من كتاباتهم بالقول ”  أن يكون الكتاب العرب قد تهافتوا على المنظومة الليبرالية لأنهم رأوا فيها عبارة وافية عمّا يحسّون به، فهذا لا يعني أن الدافع الأول في كل هذا كان التأثير الخارجي” [ مفهوم الحرية، 59] . و معنى هذا أن العروي  هنا لا يبدو واثقا  فيما ذهب اليه في القول انّ الحرية الليبرالية لا تأبه كثيرا لنظرية الحرية [ مفهوم الحرية، 54]. والملفت للنظر هنا  أن  نصّار يرى أنّ  العروي  ” صحيح و لكنه بصورة جزئية لأنه ينطوي على اختزال خطير. فاذا جاز أن نميّز بين شعار الحرية وبين نظرية الحرية، فانّه لا يجوز أن نرجع الفكر الليبرالي كله الى مجرّد شعار و مطالبة بتحقيقه، كما لا يجوز أن نضع على المستوى نفسه، تحت عبارة نظرية الحرية، ما هو فلسفي ميتافيزيقي و ما هو فلسفي وجودي  وما هو ديني لاهوتي”    [باب الحرية، 88-89].

       وهذا كله لا يعني بالضرورة أن بعض مفكرينا يشعرون بمسؤولية التقويم الأساسي للأفكار التي يروجونها  باعتبارها مكتشفات لا تدحض و لا تردّ  كأنها حقائق ثابتة، و لكننا نجدها عندما نتفحصها  ذات تأثير سلبي في جيل من الباحثين يأخذون بنتائج منحولة و غير صحيحة. و بناء على ذلك، كما ينص قول برلين :     ” يبدو أن فلاسفتنا غافلون بشكل غريب عن التأثير المدمّر لنشاطاتهم. و لعل أفضلهم،  و هم ثملون بانجازاتهم العظيمة في مجالات عملهم النظري الذي لا يمت بصلة الى الواقع، ينظر باحتقار و ازدراء الى الميدان الذي لا تجري فيه اكتشافات راديكالية متطرفة و لا يكافأ فيها ذوو المواهب التي تعمل في التحليل الدقيق. ولكن على الرغم من الجهود المبذولة للفصل بين السياسة و الفلسفة عن طريق الحذلقة اللاهوتية العمياء، ظلت السياسة تتضافر بشكل لا ينفصم عن أشكال البحث الفلسفي الأخرى جميعا ” [حدود الحرية، 7].

       واستنادا الى كل هذه المناظرات، نخلص الى أن فكرة الحرية  في عقولنا ووعينا بجوهرها لا يتطابق على ما هي عليه مشخصة في الليبرالية باعتبارها الواقع المشخّص للحرية، و لا يمكن استيعابها من جهة النظر العقلي، و ليس صحيحا قول العروي ” تقول الليبرالية : استبدال النظرية الوضعانية في مسألة الحرية ليس عجزا، بل هو ضمان للحرية ذاتها ” [ مفهوم الحرية، 85] ، بل الصحيح ما ذهب اليه نصّار في قوله ”  انّ الاستيعاب عملية شديدة  التعقيد ومتعددة المقتضيات، لا سيما اذا كانت أكثر من مجرد اقتباس. …. و هذا كله لا يستقيم الا اذا جرى على قاعدة تحليل نقدي يسلّم بكونية مبدأ الحرية وتاريخية أشكال الليبرالية العملية، المجسدة لهذا المبدأ “[ باب الحرية، 86].

5. في أنّ الاختلاف يقع في مفهوم الحرية :

       أما نحن العرب (الأنا) فالمشكلة تبدوأكثر تعقيدا مما هي عند الغرب (الآخر)، ومن ذلك ، كما نعلم جميعا،  أنه : ” تعددت معاني الحرية في الفكر العربي المعاصر تبعا لتعدد تياراته الفكرية التي صاغتها نماذج متعددة الوجود المادي و الاجتماعي العربي” [عبد الشيخ، الحرية، 74].  فهنا نحن ازاء مشكلة معرفية ترتبط بالعلاقة بيننا و بين الغرب ، و هو موضوع عام مكرور في فكرنا المعاصر على نحو صرنا لا نفتح كتابا او نطّلع على بحث او دراسة الا و نحن ازاء : الحرية والتراث، الحرية والتجديد، الحرية والتبعية، الحرية والدين، الحرية والعلمانية ، الحرية والسياسة ، الحرية والايديولوجيا، والحرية والعلم … الخ، حتى طلع بعضهم علينا في السنوات الأخيرة  بثنائيات جديدة  : الحرية والسلفية، والحرية والمقاومة، والحرية والارهاب، والحرية  والطائفية، والحرية والحرب، والحرية والعولمة، والحرية والتكنولوجيا … الخ ! فغاب عنا شيئا فشيئا السؤال الكبير: أين نحن من مفهوم الحرية الحقيقي من جهة الاختلاف فيه ؟

       أما بالنسبة لنا،  كأننا  نجابه حالة قسرية من  خارجنا ، أي خارج ( الأنا) ، تطبع تفكيرنا في الحرية فتولّد لدينا اتباعا دائما للغرب ( الآخر) باعتباره مرجعيتنا في الحرية! و تتفجّر مسألة المسائل  مع الغرب لتجاوزه الحدود المعقولة في ادعاء صراع الحضارات و نهاية التاريخ . و استنادا الى هذا أقام حسن حنفي [ حوار بين المشرق و المغرب، 57-63] رأيه على أساس أن لدينا من الوعي بالحرية بالمعنى الليبرالي في تراثنا ما يلغي فكرة أن الحرية أصلا هي من اختراع الغرب [حوار،60-61]. و على الرغم من معارضة محمد عابد الجابري لرأي حنفي          [ الجابري ، حوار، 64-70] ، فانه يرى أن الحرية عن طريق تطبيق الليبرالية الغربية كان يمكن لها أن تتحقق في عالمنا العربي ( ومصر أولا و بالذات) لو لم تتدخل أوروبا الاستعمارية في صياغة معالم الحياة العربية الحديثة [ الجابري، حوار، 70].  لكن هاتين الفرضيتين ، لا تقومان على أساس التحليل النقدي  لاعادة بناء منظومة الحرية: الحرية الفردية و الواجب، و الحرية الاجتماعية و الحقوق، والحرية السياسية و تغيير الواقع الموضوعي، و الحرية الفكرية و صياغة الأيديولوجيا، والحرية الدينية و الصلة بين البشر و المطلق، وهكذا … نجد بين مفاهيم الحرية كما نراها نحن( الأنا ) اختلافا  مع مفاهيم الحرية كما يفلسفها الغرب (الآخر) ، ليس لأن عقولنا تختلف في وضع معايير قياس مفاهيم الحرية عن عقول الغربيين ، لكن لأن الموروث في وعينا غير الموروث في وعيهم ، أي أن الوسائل التي نستعملها في ادراك معاني الحرية يقع فيها الاختلاف عن وسائلهم في توظيف  اتجاهات الحرية و هذه  هي الأخرى يقع فيها الاختلاف مع اتجاهاتنا في معالجة مشكلاتنا.   فنحن نقرأ باستمرار عن مشكلاتنا مع الغرب، و لكننا لا نتحدّث عن مشكلات الغرب معنا! و هذا يقودنا بلا شك الى فوضى التصورات التي صارت كامنة في وعينا الذاتي و الجمعي ، و كأن لا حل لأية مسألة نعرفها، أو نريد أن نعرفها، الا عن طريق الغرب.

         ومن المشكلات الكبرى، مشكلة الحرية التي نريدها بالتخلص من هيمنة الغرب علينا، بعد عصر الاستعمار و دفعنا الى الغرب دفعا، فلا حقيقة الا وقد اكتشفها الغرب، و ما نحن الا أتباع التقليد والأخذ بالجاهز حتى صرنا لا نميّز بين ما  تكوّن أساسا لملاءمة طبيعة الغرب و ما تكوّن أصلا لملاءمة طبيعتنا، و من هنا، كما يرى نصّار ” … ينبغي التمييز بين تاريخ الحرية و تاريخ الليبرالية ، و التذكير دوما بهذا التمييز… غير أنّ الهدف … ليس الفصل بينهما، بل الفهم الأصح لكل منهما و لمعنى الواحد منهما بالنسبة للآخر. انّ تاريخ الليبرالية لا يفهم حقّ الفهم الا كتحوّل نوعي في تاريخ الحرية. و تاريخ الحرية لا يفهم بدوره حقّ الفهم الا كصراع من أجل الحرية و حياة الحرية…” [ باب الحرية، 309].

         واذا تابعنا تطور الفكر الليبرالي في وعينا  العربي نجده بلا شك واقعا تحت هيمنة التأثير الغربي، و لم يحاول المفكرون العرب النهضويون التخلّص من المعايير التي انتقلت اليهم من أوروبا الحديثة التي صدرت فيها الأفكار  الجوهرية حول الحرية  باعتبارها الصياغة العملية الليبرالية ، من تأثيرات  هوبز و لوك و و فولتير و مونتسكيو و روسو ، و غيرهم في عصر التنوير ، فتراكمت الأفكار حتى “شكلّت  ا لحرية هاجسا حقيقيا الى جانب  هواجسها الفلسفية الأخرى ” [ عبد الشيخ، الحرية، 57]. وهذا كله يرجع الى أننا ندرك تماما أن الحداثة ، التي ساهمت في صناعة الليبرالية ، هي الأخرى صناعة غربية،  لم يجر تكوينها في التنظير و التطبيق  الا بعد كفاح  استغرق أربعة قرون ،  و تبعا لحسن حنفي ” نشأت الليبرالية في الغرب بعد نضال طويل منذ الاصلاح الديني في القرن الخامس عشر، و عصر النهضة في السادس عشر، و العقلانية في السابع عشر ، و التنوير في الثامن عشر ” [حوار، 59]. وهذا الذي يمكننا النظر في تفصيلاته  عند زكريا ابراهيم [مشكلة الحرية،القاهرة 1972] .

         وتبعا لذلك،  بدا موضوع الحرية لا يمكن بحثه الا من وجهة نظر الغرب، كما يفعل الليبراليون العرب ، و الجدد منهم بوجه خاص!  فقد أصبح مفهوم الحرية في زماننا هذا مليئا بفوضى متغيرات الغرب بعد هيمنة العولمة على العالم، وكأن  المباديء الليبرالية التي نادى بها الغرب ، و سعى الى تطبيقها لقرنين من الزمان على الأقل، تحوّلت الى عملية استباحة للحرية اللاغربية، بما فيها  حريةعقول المفكرين و المثقفين العرب و كل أولئك الذين هم أدوات النهضة الحضارية الجديدة  التي قرر الغرب الغاءها و مسحها من خططنا الحاضرة و المستقبلية، كما سبق للأوروبي أن مسح من ذاكرتنا ما أراد هو( الآخر) عندما جعلنا(الأنا)  موضوعا  مركزيا لاهتماماته طوال القرون الخمسة الماضية! وصرنا نرى الصورة الضخمة للغرب ، و كيف برع الفلاسفة الأوروبيون في فحص الحرية و تدقيق معانيها ، و تحويلها الى مفاهيم تعكس تجارب اؤلئك الفلاسفة من خلال تجاربهم الانسانية الفردية و الاجتماعية، فطبعوا جوانب الحرية الحملية في منظومات الليبرالية من الناحية التاريخية. أي انّ الحرية في اطارها الليبرالي مسارها أوروبي ، لأن الغرب هو الذي اخترع فلسفتها، و هو الذي ابتدع الطرق التي تحصّل بها، و بناء عليه، انّ الغرب هو الذي يمنح الحرية، بمفاهيمها المختلفة و تطبيقاتها العملية في الليبرالية، للأمم الأخرى !

        واستنادا الى هذا، وجدنا  المشكلات التي نعانيها في فكرنا المعاصر، أن نلاحظ مؤرخي هذا الفكر اعتادوا على الاختلاف في تحديد الكثير من المفاهيم المتنوعة ، بينما لا نجد اختلافا أشدّ مماهو واقع في تحديد مفهوم الحرية، خصوصا في مصادرها المعرفية أو العقائدية أو الايديولوجية ، وأول هذه الاختلافات هي مشكلة العلاقة بين فكرنا ( فكر الأنا) و بين فكرالغرب ( فكر الآخر) . و يكفينا أن نشير الى مفكرينا في عصر النهضة وُصفوا بأنهم ليبراليون لكي يُطبعوا بطابع الغرب. و في هذا المقام يصدق قول حسن حنفي بوصفه الاستنكاري تاريخ فكرنا الحديث بقوله ”  حتى ان الليبرالية أصبحت هي الطابع العام لفكرنا الحديث كله كما قيل عن تاريخنا الفكري الحديث: الفكرالعربي في العصر الليبرالي ” ! [حوار، 58]. و واضح أن حنفي يقصد هنا كتاب ( الفكر العربي في العصر الليبرالي) لألبرت حوراني الذي صدر بالانكليزية ، ثم ترجم الى العربية ( الفكر العربي في عصر النهضة). و تبرزهنا مشكلة  وصف مفكرينا في القرن التاسع عشر بالليبراليين اسوة بما هو دارج في الغرب بتطور الفكر الليبرالي، كما هو معروف، و في الحقيقة كما نعرف جميعا أنهم لم يكونوا جميعا ليبراليين، كما سنرى. والغريب أن نصّار يحاول تبرير تفضيل مفهوم المترجم العربي (عصر النهضة ) على مفهوم المؤلف (العصر الليبرالي) بقوله ” و لهذا التفضيل أكثر من سبب. الا انه لا يلغي الحقيقة التي رام المؤلف اظهارها ” ! [ باب الحرية، 64].و لم يفصح نصّار عن الأسباب و لا عن قصد المؤلف ! لكن ذلك لا يمنع من أن نرى حوراني كان تغريبيا و قاس حركة الفكر العربي بالمعايير الليبرالية الأوروبية، و كأن نتائج مباحث مفكرينا  تقليدا للغرب، و هذا بلا شك تمويه كبير في تغريب التجربة العربية في الوعي بالحرية على أسس مناهج الفكر الغربي! هذا كان في الوقت الذي يستعمر الغرب العرب ! وقد فات  حوراني ، و تبعا له أغلب المؤرخين العرب لفكرنا الحديث و المعاصر، أنّ فكر النهضة العربية في الحرية تأسس على ثلاثة محاور:

    ” 1. التحرر من التبعية ،

      2. التحرر من الاستبداد،

      3. التحرر من الجمود في فهم النص “. [ عبد الشيخ، الحرية، 163].

    و كانت مرجعية مفكرينا في مشروعهم النهضوي في وعيهم بالحرية اعتمدت على مصدرين : الموروث و الوافد. و لا نجد في محاولات التحرر النهضوي الا مزاوجة بين المصدرين، أو رفض أحدهما و التمسك بالثاني. و هنا نجد الراديكاليين التراثيين المتعصبين للموروث ضد أي تجديد،  بينما نجد التجديديين  يزاوجون بين الموروث عندنا و الوافد من الغرب. أما التغريبيون ، و لأنهم اتباعيون،  يرون أن الفكر العربي بحاجة الى تطبيعه مع الفكر الغربي الذي هو المصدر الأساس في فهم الحرية. و هكذا الاغترابيون  فهم راديكاليون أيضا،  و ينادون بالقطيعة مع الموروث اتباعا  لمفكري الغرب  الذين  يرفضون فكرنا جملة و تفصيلا و ينتمون بالكلية الى فكر الآخر. و لا نظن أن بيننا من لا يقرّ بهذا التباين الشديد  الذي يؤدّي بالضرورة الى الاختلاف في مفهوم الحرية ، باسم الحرية (!)، تجاوزا على العقل و المنطق ، كما سنرى.

      وهكذا نعرف أنه  لم يجر في التاريخ العربي المدوّن المكتوب المعروف أن وصل فكرنا حول الحرية الى طريق مسدود ، لا  يستطيع التحرر من أعباء الطغيان و الاستبداد و الاستعباد  التي يفرضها عليه الغرب ، كما هو عليه الآن!  و لعل هذا الذي دفع  حنفي الى القول   ”  أمّا لدينا [= نحن العرب]، فالليبرالية، كمضمون و ليس كلفظ، لها مسار آخر… و لم تنجح الليبرالية الغربية اذن في حياتنا المعاصرة على مدى مائتي عام، لأنّ هناك جذورا تاريخية تمنعها و تكمن وراء ازمة الحرية و الديمقراطية في وجداننا المعاصر أثر تراكم طوعي عبر ألف عام ” [ ماذا يعني علم الاستغراب، 61] ، و هذا معناه أن حنفي  يحاول أن يطوّر رأي العروي الذي   يرى ان النهضويين العرب ” لا يضعون قضية الحرية في اطار فلسفي و لا يبحثون عن أصلها و مداها ، وانما يكتفون بوصفها و المطالبة بها ” [ مفهوم الحرية، 49]. أي معنى هذا أن النهضويين كانوا يرفعون شعارات الحرية و لا يفلسفونها ، ويفصلون بين  مفهوم الحرية و  مفهوم الليبرالية. و ليس صحيحا القول بتعسّف العروي  انّ     ”  تقديم الفكر الليبرالي كنقيض للفكر الفلسفي وقف وراء استنتاجه الخاص في حاجة الحرية للفكر الليبرالي أكثر من حاجتها للتفكير الفلسفي ” [عبد الشيخ، الحرية، 57]. لكن حنفي في مناقشاته لعلاقة الأنا ( العرب) بالآخر (الغرب) يحسم القضية في موضوع الاختلاف في مفاهيم الحرية  بالقول صراحة انّ ” الأمر بالنسبة لنا أولا هو التحرر من الآخر الأوحد ، و هو الغرب ” ! [ ماذا يعني علم الاستغراب ، 225] ، بينما يرى نصّار، الذي يبشّر بنهضة عربية جديدة معاصرة ، فيقول ” انّ النهضة العربية الثانية [= الراهنة] ، بما هي تجاوز لأزمة حضارية شاملة، تجد سمتها العامة في مفهوم اعادة البناء: ثمة أنظمة و مؤسسات و عادات و تقاليد لا بدّ من تغييرها. و ثمة مفاهيم لا بدّ من تدميرها، و أخرى لا بدّ من اعادة تفسيرها، و مفاهيم لا بدّ من اختراعها ، حتى تتم عملية تغيير تلك الأنظمة و المؤسسات، و تلك العادات و التقاليد” [ باب الحرية، 23]. و استكمالا لهذه التصورات ، يكون العروي قد فطن مبكرا الى مشكلة الاختلاف في المفاهيم ، بقوله انّ ” التوضيح الفلسفي يثبت مدى قدر تفاعل تمثّل الحرية ، حينما نعي حقّ الوعي أن تحليل المفاهيم هو وسيلة لتنوير الذهن و تقويم المنطق ، نكون قد قطعنا شوطا بعيدا نحو التقريب بين الفكر و العمل” [مفهوم الحرية، 7 ] .

6.  في أنّ العقل هو مصدر الوعي بالحرية:

 

     اعتقد كثيرون أن الحرية انما هي حرية الرغبات التي تتمظهر بفعاليات الانسان الغريزية ، أو ان الحرية تصدر عن تمسك الانسان بما يريد، وربما يندرج في هذا المعنى أن الحرية لا ترتبط الا بمعطيات نفسية ذاتية تشكل مع الغير منفعة و مصلحة، أو أن الحرية هي حرية الانسان الفرد في أفعاله. وهذه الفرضيات استغرقت تاريخ الانسان المدوّن، حتى بدت الحرية لا تستجيب للمنطق الذي ينظّم الفكر و يجعل من العقل مصدرا  لوعينا بالحرية وعلاقاتها بالانسان الفرد و المجتمع و الطبيعة من جهة التكوين المادي لهذا الوعي ، لا من جهة البنية الميتافيزيقية الكونية التي يتعامل معها العقل . و من هنا نلاحظ باهتمام ما يقوله نصّار ” في معرض البحث عن وجوه الاقتران بين العقل و الحرية في تعاطيها مع الواقع، لا يمكن المساواة بين الحرية الجاهلة أو الحرية المموهة أو الحرية المضللة أو الحرية الطامسة للواقع،  و بين الحرية المستكشفة لحقائق الواقع بقدر ما تتيحه موارد العقل العلمي و الفلسفي المتعلقة بتلك الحقائق. لا شيء يمنع الحرية ،في المطاف الأخير، من اختيار سبل الكذب و التضليل و التمويه والطمس ، أو على الأقل اعتماد غير العقل في تعاطيها مع الواقع” [باب الحرية، 283]. و تبعا لذلك ،  نجد أن هذا المعنى  يوقعنا  في تناقض ظاهري في اختزال الصلة بين العقل و الحرية عند برلين  ” لأنّ حال الوعي والادراك قد تكون أحيانا غامضة و مستترة، وهي الارادة العقلانية والذات (الحقيقية)، كما أن الذات (الجاهلة) لا تعرف شيئا عن الذات العقلانية (الحقيقية) و تناقض ما تشعر به و ما تفعله و ما تتكلم عنه علنا…” [حدود الحرية ، 25].

        ومن المناسب ، هنا، أن نستطلع رأي وليام  ليونز الذي يقرر أن ” انّ الوعي يوجد فقط على أنه تيار خاص من الوعي لشخص معيّن ، وانّ محتوياته الظاهراتية ( الخاصة بالظاهرة ) قابلة للمعرفة المباشرة فقط من هذا الشخص نفسه ، أي أن الوعي ذاتي أو شخصي في كل من شكل الوجود والطريقة التي يمكن أن يُِعرف بها. فالوعي يربك تساؤلاتنا الموضوعية بذاتيته الحقيقية و الفعلية” [ فلسفة العقل، 256]. والأصل في هذا المعنى  ” أنّ الفلاسفة التحليليين قد انبهروا بالوعي و ارتبكوا منه، لأنّ … فلسفة تطور العقل، كانت تدور كلها حول الوعي وما الذي يمكن أن نتعلمه عنه و منه. وأحيانا، كان يُنظر اليه على الأقل في صيغته السيكولوجية التي كانت تعتبر استبطانا Introspectionism ( فحص الأفكار و الدوافع و المشاعر )، على أنّه العلم الفرعي التجريبي المتخصص للوعي. و في أوقات أخرى، كان الوعي يُصوّر ، في تطوره الفلسفي الأكثر رقيا، على أنّه مشروع متجاوز للخبرة البشرية     ( يسمو فوق الوجود المادي أو يتجاوز مجرد العلم التجريبي…) ” [ فلسفة العقل، 256-257].

      انّ النسق الفلسفي للوعي باعتباره يصدر عن العقل و ينصرف الى الحرية، أي بمعنى أن الوعي بالحرية أصلا عملية عقلية محضة تتطابق مع هو كائن من مادة في العالم الطبيعي. و هذه العملية ذاتية فردية تتراكم  بالتجربة الموضوعية فتجعل من تراكم الوعي الشخصي للأفراد مكوّنا أساسيا لوعي الجماعة ، و هكذا تظهر لنا  بنية الوعي الاجتماعي من حصيلة مجموع أنشطة الوعي في أفراد مجتمع ما. لكن، متى ما تجاوزنا طبيعة الصلة القائمة بين العقل و الحياة ، فانّ الوعي يربكنا و لا يؤدي معناه الذي نسعى اليه والذي ذهب اليه ديكارت و العقليون  بأن الوعي هو الجوهر المعبّر عن المادة غيرالفيزيائية  ، لا من جهة أن  الوعي الذي يتكوّن بخصائص محضة عقلانية تقرّبه من الميتافيزيقا، بل من جهة  كيفية مطابقته و من ثم  مفارقته للعالم الطبيعي .

     وتحقيقا لهذا الفهم ، نخلص دائما الى أن الوعي افرازات تنضح من العقل على فعاليات العالم الروحي و العالم المادي في البنية المعرفية . و ليس هناك ما يشعر الانسان بممارسته لوجوده أكثر من  الوعي بالحرية ، أي الوعي بخصائص الأفعال و ردود الأفعال في الحركة الطبيعية للحياة العملية بكل تفاصيلها. و هنا تبرز الأهمية التي نستكشفها دائما في العقل النقدي لكل الطرق التي بها نحقّق منظومة ما للظواهر التي نتعامل بها سيكولوجيا و بيولوجيا، وحتى فسيولوجيا الأعصاب في الوعي بالحرية، خصوصا  أننا نعلم الآن  ” أن التفسير الكافي للوعي هو الحاجة الأكثر الحاحا في فلسفة العقل ” [ليونز، فلسفة العقل، 258] ، و فلسفة العقل تقوم أساسا على  حرية العقل نفسه في مقصده النقدي، لأن ” العقل النقدي هو، في حالة انعكاسه على ذاته، عقل ناقد لذاته ومستفيد من نقده لذاته، لا لكي يدمّر ذاته، بل لكي يزداد وعيا بقدرته و حدوده و هو في صيرورة تحقيق ذاته ” [ نصار، باب الحرية، 203].

     ان ّ هذا الربط بين  العقل و الحرية، يذكرنا بفطنة برلين في التأكيد على مقولة فيختة الصارمة في أنّه ” ليس لأحد حقّّّ الوقوف ضد المنطق” ، بعد أن اكتشف أنّ الخداع البشري ساقه الى الاعتقاد بأنّ ” الانسان يخشى اخضاع ذاتيته لأحكام المنطق، و هو يفضّل التقاليد و التعسّف ” [ حدود الحرية، 50]، وهذا ليس كلاما سهلا علينا ادراكه ونحن  نصدّق كل ما يقال عن الحرية بمعنى أنها تحوّلت الى صياغات اعتمدت التفسير التخصصي من جهة التأثير النفسي و الاجتماعي ، أو من جهة التأثير التربوي و الأخلاقي. و أضيف بعد ذلك، الى هذه التأثيرات ، تأثيرات أخرى من جهة العلم و الاقتصاد والتكنولوجيا ( = التقانة) ، فصارت الحرية ملعبا لكل لاعب ، فشتّت التخصص المعنى العقلي للحرية و جعلها تتشكّل بصور تختلف باختلاف مشارب الأفراد ، أو اتجاهات المجتمعات ، فخسرنا القضية العقلانية للحرية!  ومن ذلك نلاحظ أنّ بعضنا يرى أن ” الحرية، هنا، تكتسب مفهوما اجتماعيا يرتبط أساسا بمدى حاجة الأفراد لبعضهم في أداء مصالحهم. فالحرية هي المنافع المتبادلة و فقا للقوانين المنظّمة  لنشاط الناس بصورة واعية وهم أنفسهم يتولّون رعايتها طالما أنها تخصّهم جميعا ” [ عبد الشيخ، الحرية، 21].  وهذا الرأي انما يستند في مرجعيته الى القول ” انّ وعي الحرية أكثر أشكال الوعي أصالة لدى البشر” [برقاوي، مقدمة، 146]. لكن هذه الاصالة تحتاج الى فحص منطقي لتكون مقبولة من جهة العقل ، و لهذا يقول نصّار  ” انّ أصالة الحرية لا تقتضي بالضرورة قيام الطلاق المطلق بين الحاجة و الحرية، و لا بين الحرية و العقل. و لكن الصعوبة.. كل الصعوبة تكمن في فهم طبيعة الاقتران بين الحرية والعقل ”  [باب الحرية، 168].

7. في أن فكرة الحرية بحاجة الى الفلسفة :

          نحن بلا شك نعاني من ازمات كثيرة في عصرنا الراهن، بعد أن صارت الحرية مقترنة بالليبرالية الجديدة اقترانا أرادته الرأسمالية العالمية، فتنازلت أوروبا الليبرالية العقلانية عن حقوقها في فلسفة الحرية التي ناضلت بامتياز في سبيل أن تجعل منها منبعا للحياة الكريمة . و كان قبل ذلك  قد ضاع الاتحاد السوفياتي  في مسار انحطاط ايديولوجي مأساوي فأعلنت الشيوعية العالمية سقوط امبراطورية الاستبداد،  فتمزّقت  دولها بعد أن داس  عليها الذين سبق لهم أن اغتالوا  الحرية  منذ أن رفعوا شعارها في ثورة سحقت الانسان. وخاب تطلّع العالم الثالث للحرية من جهة الحرمان من معرفتها و ممارستها، و كأن الاستعمار هو الذي حدد أشكال الحرية الممنوحة لبشر في عالم وصفوه بالمتخلف الذي لا يستطيع اللحاق بالعالم المتقدّم . فتحوّل العالم كله الى فوضى في مقاصد الحرية و معانيها  الانسانية، و انقلبت الموازين  بفرض أشكال مستحدثة من حريات جديدة، اجتماعية و سياسية و اقتصادية، لتنطبق على معطيات نظام عالمي جديد  يرفع شعار الديمقراطية باعتبارها من اختراع  نخبة ،لا علاقة لها بالفكر و الفلسفة، تلعب بمقادير البشر في استحقاقاتهم من الحرية الفردية و الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية أينما كانوا وفق قاعدة ( الأسود يكون أبيض، اذا كان الأبيض يمكن أن يكون أسود، و من لا يرى الأسود أبيض فمن الممكن أن يرى الأبيض أسود !!

        هذا هو منظور الليبرالية الجديدة و الديمقراطية الرأسمالية الجديد الى الحرية في عصرنا الراهن، وهو منظور مصاب بالعماء العقلي في غياب المنطق عن التصورات و المدركات  في هذا العالم! و هنا يصح قول برلين  انّ ” خنق الحرية من أجل الحرية…. والعلاقة بين الديمقراطية و الحرية الفردية  هي أكثر غموضا مما يتراءى لكثير من دعاتها و مؤيديها … و الاختلاف كبيرالى درجة أنّه يؤدي الى التصادم في الأيديولوجيات التي تهيمن على عالمنا ” [ حدود الحرية،13، 21].

       و هكذا نجد أنّ النُخب ، الذين يديرون لعبة الحرية و الديمقراطية و الليبرالية في عالم  اليوم، يختلفون في صياغة صناعة فكرةالحرية، فقد صارت محكومة بالمنافع  و المصالح  المرتبطة بالدول  و ليس الانسان أو المجتمع الانساني، و بعيدا عن معايير مفهوم الحرية التي عرفنا تطوره في التاريخ الانساني من جهة  موضوعات النفس و التربية و الأخلاق. و أخيرا  اكتشفت أوروبا الليبرالية أنها ضحية هذا  التناقض الخطير،  الذي روّجت له الرأسمالية العالمية بديمقراطيتها الجدبدة ،فاتهمتها علانية ب ” أوروبا العتيقة  ” !   بعد أن انهارت أوروبا الاشتراكية لأنها لم تعرف الاشتراكية ولا الحرية التي نادت بها. و أخيرا جاء افتضاح جميع أنواع المؤسسات الرأسمالية في الغرب بمواقفها البراغماتية من مسألة الحرية في العالم الثالث، ان كان ذلك في الشرق او دول الجنوب.

     انّ أزمة الحرية في العالم اليوم انما ترجع الى تشتت الانجازات الكبيرة التي قام بها الفلاسفة خلال تاريخ الفلسفة ، و القرون الخمسة الماضية بوجه خاص، وعلى التحديد في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، فقد أصابت العالم فوضى من الاتجاهات التفسيرية التي لا تنسجم مع مقاصد الفلاسفة أصلا، وقد نبّه حنفي الى مسار هذه الفوضى  بقوله انّه بعد أن ” تراكمت فلسفات العدم في الوعي الأوروبي…نيتشة…جابريل فاهنيان، هارفي كوكس، بول فان بيرن، هاملتزون، التيزر …الخ…  بدت الأزمة ، أزمة الضياع … عند هيدجر …و عند مارسل …و عند سارتر … و عند كامو… وعند ميرلوبونتي …وكيركجارد…ثم دريدا …و … بارت…. لقد تخلى الوعي الأوروبي  عمّا أبدعه هو نفسه من قبل مثل الزمان و التاريخ و الانسان و العقل و الحرية. تحطمّت مُثل التنوير ، و لم تستطع أن تغيّر الثقل الطبيعي و الموروث في الوعي الأوروبي” ! [ماذا يعني علم الاستغراب؟، التفصيلات في 153، 154، 155، 156، 157 ].

    ومعنى هذا أن فكرة الحرية  لم تعد الشجرة المورقة بالأفكار الفلسفية التي ازدهرت قبل القرن العشرين من منابع العلاقة بين نظرية الحرية و ماديتها ، لأن الوعي الانساني المعاصربالحرية لم يعد واضحا بل انه يخلط بين حرية الفرد، و حريات الأفراد ، و بين حريات المجتمعات، حتى صار من غير اللائق في هذا العصر أن يتساءل الانسان العاقل المنطقي عن : لماذا تختلف تطبيقات الحرية المادية من مكان الى مكان، و تتغيّر من حال الى حال،  و كأنها  هي الأخرى خضعت      للاستعباد و الاستبداد و المصادرة؟  انّ الجدلية بين الحرية  في مؤداها تبدو كأنها أفرغت من معانيها الفلسفية، فاستفحل فيها أنواع من انحراف حقيقتها الأصلية عن معانيها التي  تستوجب توفر المناخ الفلسفي الحقيقي لاستيعابها من جهة أن الحرية لا ُتفكّك أسرارها الا بالقراءة المتبصرة للفلسفة.

    و تأسيسا على ذلك ، نلاحظ أنّه من الخطأ أن يذهب بعض الباحثين الى القول :

       1. ” انّ تلك هي صورة التناقض العام الذي دفع بالفلسفة الى العمل على     استيعابه و السعي لبلورته بمفاهيم فلسفية، و اتسقت نظرية الحرية للحرية في اطار الفلسفة الحديثة و المعاصرة أيضا ” ! [ عبد الشيخ، الحرية، 56].

      2. انّ ” الفلسفة المعاصرة تنشغل اليوم بمعالجة مشكلات الانسان، وفي مقدمتها مشكلة الحرية كوظيفة فلسفية.و حتما ستنطلق منظومات فكرية أخرى، و مرة أخرى، ليس الا من رحم الفلسفة نفسها ” [ عبد الشيخ، الحرية، 58].

       فهذا الرأي بشقيه ليس صحيحا، لأنه مبنيّ على فرضيتين هما :

    الأولى/ انّ الحرية انما تخضع لفكرفلسفي راهن يسعى الى استيعاب التناقض العام عن طريق مناهج الفلسفة.

      والثانية/ ان الفلسفة المعاصرة معنية بالحرية لحل مشكلاتها. و حلول هذه المشكلات تتولّد من الفلسفة.

      انّ كلتا الفرضيتين تقوم على حسابات سياسية اجتماعية اقتصادية و ايديولولوجية لا تفصح عن حقيقة المعاني الحقيقية للحرية.  وقد لاحظ نصّار ” أنّ الفهم الفلسفي الصحيح لمبدأ الحرية الفكرية يتطلّب ، دون شك ، نقد الوحدانية العقائدية الدوغماوية في المجتمع، كما يتطلّب نقد الفوضى و البلبلة التي يمكن أن يسفر عنها التطبيق المتطرف للفردانية ” [ باب الحرية، 108].   و بناء على ذلك، لا نجد في استنتاج العروي  الا تشويشا على تمظهر الحرية بمظهر الحق، عند ما يقول ” ان الحرية في مفهومها تناقض وجود. توجد حيثما غابت ، وتغيب حيثما وجدت. والنظرية هي الكشف عن ذلك الجدل” ! [مفهوم الحرية، 86]. وهذا كله يرجع الى أنّ  المفكر العربي المعاصر ينأى عن التفسير الشامل لمشكلة الحرية والانسان في هذ العصر. ولنراقب ماذا نقرأ عند برلين ” نحن مستعبدون من قبل طغاة من أصناف عديدة – أنظمة و قوانين و معتقدات وخلل عقول – يمكن ازالتها والخلص منها بعد تحليلها و دراستها وفهمها  … ومع ذلك فهي الحرية التي تنادي بها الأنظمة الديمقراطية والدكتاتورية على حد سواء في أكثر بقاع العالم ” [حدود الحرية، 40-41].

      ولهذا كله ، تبقى فكرة الحرية بحاجة الى الفلسفة، من جهة نقص تصوراتنا عن الحرية نفسها ، كما قال زكريا ابراهيم  انّ ” الحرية لا بدّ أن تظلّ ناقصة غير مكتملة، لأنها دائما في صيرورة مستمرة ، فضلا عن أنها مزعزعة باستمرار، مفتقرة الى مزيد من الاستقرار. و مع ذلك فانّ هذ الصيرورة نفسها هي التي تخلع على وجودنا معنى، كما انّ ذلك التزعزع انما هو الذي يكشف عمّا لدينا من امكانيات لا بدّ لنا من العمل على تحقيقها ” [ مشكلة الفلسفة،164].

8. في أن الفلسفة بحاجة الى فضاء الحرية:

          كلنا يعرف ما تعرضّت الفلسفة له منذ نشوئها ، من جهة التسفيه والتحريف و التزييف و الانتحال،وذلك يرجع بلا شك الى أن الفلاسفة هم العقلاء  بين عامة       الناس ، و ليس كل الناس بقادرين أن يكونوا بالمستوى العقلي الذي يفتح عليهم مقاصد الفلاسفة و منطقهم.  وهذا قاد الكثيرين من المتعلمين أو المثقفين الى الاعتقاد بأنهم يستطيعون نقض الأفكار التي طرحها الفلاسفة في كل العصور. ولا نرى هنا أية ضرورة لعرض مشكلات الفلسفة مع الأنشطة الانسانية الأخرى التي ناقضتها،وردّت عليها،و حرّمت النظر فيها،و كفّرت الفلاسفة ، فهذا يحتاج منا الى استقصاء تفصيلات كثيرة لا نقوى عليها في هذا البحث، لأننا محدودن بعلاقة الفسفة بالحرية. وليس من بدع الأقوال أن يُقال هنا أن اقتران الفلسفة بالحرية يأتي من معطى تفصح عنه الصلة بين العقل والوعي بالحرية ، و بين جدلية التكوين الفلسفي للأفكارفي عملية الادراك من جهة البنية التي يتشكّل بها الفكر في فضاء الحرية.

      انّ الحرية هي ليست العدالة، ولا المساواة، ولا الأخاء، ولا الأخلاق، ولا الارادة  و لا المسؤولية ، و لا الواجب ، و لا الضمير، بل هي منطق علاقة متشابكة بين هذه المعطيات الانسانية مجتمعة كلها. و لكل معطى يرتبط بالحرية من جهة أنها فردية، أو اجتماعية، أو كونية… الخ، وهكذا يأتي في السياق المضاد  في منع الحرية، بالاجبار و الرغبة و المصلحة و المنفعة و الاستبداد و الطاعة و السلطة…الخ من أمراض الحرية التي تمنع تمظهر الحرية لاستلاب معانيها و وظائفها من أعدائها.  و لهذا، نحن بحاجة الى تحرير الحرية من الذين يناقضونها أو يوظفونها في غير اهدافها و الى غير غاياتها  ، وكما نبّه نصار الى أن ” المزيد من تحليل مفارقة منع الحرية عن أعدائها يقودنا، لا محالة، الى نقطة دقيقة في فلسفة الحرية، ألا و هي الفرق بين أخلاق الحرية و بين الحرية الأخلاقية … لأن المرجع المعرفي في الأخلاق ، وليس الحرية. و ما حرية الضمير سوى وجه من وجوه حرية العقل، لأن الضمير ليس سوى الحس الأخلاقي، أي الحس الداخلي بوصفه ادراكا مباشرا لحقائق الأخلاق، و هو عينه العقل الأخلاقي” [باب الحرية، 257].

      وبناء على ما تقدّم ، لا توجد الحرية الحقيقية الا في المجتمع الحر، و المجتمع الحر لا يتكوّن الا  من أفراد أحرار، و كل فرد حر انما يتوجب عليه أن يكون         عاقلا ، ومدركا للمسؤولية و الواجب و الضمير، بالنسبة لذاته، و لغيره من الأفراد، و للمجتمع ، من جهة أنّ ادراك انفتاح الحرية على أنشطتها لا يتحقّق الا  بالعقل المدبّر للانسان و الأفراد و المجتمع. لذلك نفهم لماذا يقول برقاوي ” انّ وعي الحرية يتعيّن بوصفه وعيا لحرية العقل، و حريته (أي : العقل) في ارتياد عوالم أوصدت أمام حريته ” [ مقدمة، 164]. فالعقل، الذي هو أََسّ الفلسفة، بحاجة الى فضاءات الحرية لكي يمارس فعالياته باعتباره الحكَم الذي نلجأ اليه في المنطق الذي به تتم معرفة الصواب و الخطأ في الأفعال و الأحاسيس و المشاعر التي تصدرعنّا في حركة وجودنا المادي، وكذلك وجودنا  المعنوي  في الأفكار و المعقولات المفارقة .

        ولهذا كله، ليس معقولا أن نتحدّث عن الكيفية التي تتم بها عملية اهمال الفلسفة  في مجتمع ما، في عصر ما، فهذا يقودنا الى تفصيلات لا نقوى عليها في هذا البحث. لكن عندما نلاحظ في واقعنا  الراهن كيف تتهم  الفلسفة بأنها بعيدة عن الظروف الموضوعية للناس، خصوصا في  حلّ مشكلات الانسان فردا و جماعات وأمّة، في الحياة العملية على كل مستوى  ، نجد أنّ الكلام هكذا يبدو لنا مؤثرا  في خطابنا العربي العام. ومرجعية مضادّة الفلسفة كامنة في وعينا العربي الى درجة يصعب علينا الآن تصنيف أعداء الفلسفة في مجتمعاتنا، و بيان انتسابهم الى أصول موسومة بالجهل الثقافي، و التقصير المعرفي، والتعصّب لكننا معنيّون ههنا أن نلقي ضوءا سريعا على المسببات والتبريرات التي أدّت الى النظرة المنحطة و الدونيّة للفلسفة ، و ظروفها من جهة  التربية والعقيدة والسياسة والعلاقة  المتوترة بين الموروث في ثقافتنا والوافد من ثقافة الغرب. ويمكننا تحديد هذه التصورات في الآتي:

       1.  انّ تسفيه الفلسفة من قبل أفراد في مجتمع ما، لايكون الا بمؤثرات الجهل العام بالحياة المادية و الروحية و القوانين التي يجب أن تنظّمها تنظيما مختلفا عن مجرد الرغبة الفردية أوالاقتصارعلى رغبات الأفراد، من جهة إلغاء التفسير المنطقي للعلاقات بين الفرد و الغير، و بين مجموعة أفراد و المجتمع بكامله تحقيقا لمبدأ الحرية التي لا تختص بمنفعة بعض من الناس و تهمل الغالبية العظمى منهم . انّ هذا التفسير تكون فيه الحرية العقلية مضمرة، و لتصريح بمعطيات المنطق مسكوت عنها. فلا خير في أمّة ضمر عقلها و غاب منطقها!

     2. انّ اتهام الفلسفة بأنها غير فعّالة في الحياة العملية لأن الفلاسفة انّما  هم فئة من الناس استطابوا التفكير في ما لا حاجة للناس فيه من قريب أو بعيد. وهذا ما نجده مبثوثا في النسيج الاجتماعي الذي يتهرّب من البحث عن جوهر الحقيقة ، و يكتفي بقشورها من منطلقين:

          الأول/ امّا تحريم التفكيرفي الفلسفة و الحد من حرية الفلاسفة بحجج يخترعها أعداؤها تعصبا دون تبصّر أو دراية ، كما في القول المشهور في تراثنا     ” من تمنطق فقد تزندق” (!) ، أو التشدد على فهم النصوص على أساس أنها ترفض العقل، فلا يجوز أن يخوض في أي شيء  لم يرد فيه  نصّ مهما كان.

         والثاني/ او اهمال الفلسفة باعتبارها أعجمية ( = أجنبية) غريبة عن كل علوم العربية ، فهي مفسدة للفكرو الايمان و الاعتقاد ، فيزعم أعداؤها بوجوب نقضها و الردّ عليها لتقليل قيمتها في الكشف عن الحقيقة. أن الحقيقة عند هؤلاء انّما تكمن في الموروث من التقاليد و العادات و المنقولات عن السلف بلا نقد أو تدقيق، كما في عنوان  ابن خلدون للفصل الرابع و العشرين من من القسم الثالث في مقدمته ” في ابطال الفلسفة و فساد منتحلها “! [المقدمة، 514].

       3.  الغاء دور القدرات العقلية العربية في تناول الفلسفة بحثا و درسا ، لاعتقاد بعض الناس من المثقفين أن ليس من حق العربي في التفلسف، لأن الفلسفة تدلّ على رقي الفكر و هذا من خصائص الغرب ( الآخر) ، أمّا نحن ( الأنا) فليس من خصائصنا التأمل و التفكير والاستنباط و الاستقراء ، ولا يجب علينا أن نقول اننا نعرف كما يعرف الغرب، لأن معرفتنا منقوصة في تكوينها و بنيتها. و هذه المسألة نفهمها حقّ الفهم  في شقين :

       الأول/  ان أعداء الفلسفة في أوساط المثقفين و المتعلمين انّما يقصدون أنّ حرية الفلسفة ليست من ابداعات العقل العربي ، و لا يجوّزون الدرس الفلسفي الحرّ الذي ُيبنى أساسا على التنوير، فالعقل العربي عند هؤلاء ليس عقلا علميا كما في الغرب، و لهذا لا يحقّ للفلاسفة العرب أن يقولوا شيئا يغاير مناهج الفلسفة الأوروبية ، القديمة والوسيطة و الحديثة و حتى المعاصرة. وهذا كله تفصح عنه  دوائر الاستشراق و تنظيرها في قضية البون الشاسع بين العقل العربي و العقل الغربي. و أسوأ مثل لدينا هنا ارنست رينان الذي شغل الناس في الرد عليه من التراثيين، أو تقليده و اتباعه من التغريبيين.

       الثاني/ ان خصوم الفلسفة  يصدرون أحيانا من داخلها، متابعة   لأقوال ترجع الى مزاعم الآخر الذي كان مهيمنا على حريتنا الى درجة ، كما يقول حنفي  ” ظهر في جيلنا  استغراب مقلوب، بدلا من أن يرى المفكر  أو الباحث صورة الآخر في ذهنه رأى صورته في ذهن الآخر. بدل أن يرى الآخر في مرآة الأنا ، رأى الأنا في مرآة الآخر. و لما كان الآخر متعدد المرايا ظهر الأنا متعدد الأوجه… ” [ماذا يعني علم الاستغراب؟ ،97 ]. و هذ النمط من الناس يجهلون القيمة التاريخية التي يمتلكونها فيتمسّكون بأقوال لا تمت بصلة ما الى واقعنا الراهن في البحث عن حرية التفكير، بل انهم يسعون الى استعبادنا بمختلف الطرق تمثيلا للسلطة ، و من هنا هم يبحثون عن كل ما يبرر أساليب الحُكم المضاد للفكر الحر.

      و في الوقت الذي تسعى الفلسفة في فضاءات الحرية الى أن تكون الدعوة  للفكر الحر ملزمة لكل فيلسوف، لكننا لا نجد في واقعنا العربي الا الضيق في الآفاق التي تمارس فيها الفلسفة بحقّ ، من جهة أننا لا نستطيع استكشاف حريتنا  في مجتمعاتنا التي لا تجوّز الدعوة للتنوير بعد أن سُلبت عندنا ارادة الانسان ، فردا و جماعات. وقد صار من المألوف أن يكون الفيلسوف عندنا مقيّدا بظروف و أحكام تجعل من عقله امّا مسلوب  الحقوق بالطاعة للسلطات أو الاجبار على التفكير من جهة تحكّم الايديولوجيات بأساليب التفكير الحر. لذلك نحن هنا أزاء مشكلة الفلسفة في فضاءات الحرية ، و بهذا  نلاحظ  ما يقوله حنفي ” انّما تتحقّق دعوتنا الى الحرية عن طريق القضاء على جذور التسلّط و أسباب القهر و عوامل الطغيان المترسبة في وعينا       ( العربي) التاريخي منذ أكثر من ألف عام ” [ حوار، 63]. و معنى هذا أنّه لا بدّ  من الاعتراف  بأنّ الفرق بيننا و بين الغرب، هو : انّ أوروبا استطاعت ، كما يرى زكريا ابراهيم، أن  تُحدث ” ثورة فلسفية كبرى أدّت الى الاستقلال الفلسفي عن اللاهوت، خصوصا و انّ مفكري هذا العصر… قد أعلنوا بمذاهبهم الجديدة ثورتهم على الماضي ”  [مشكلة الفلسفة، 142].

     و لكن هذا الذي قلناه  قد يدفعنا الى مراجعة ما فعلناه نحن في ضوء مستحدثات عصرنا. و من ذلك و على مدى القرن العشرين ، أن محاكماتنا مستمرة لرواد النهضة العربية الأولى ، و نسينا أنهم بشّروا بالحياة الحرة الكريمة التي تدعو الى دولة حديثة، و حركة تنوير، و محاولة اتباع التأويل العقلي للنصوص بنصوص  دينية .  ” فالدولة الحديثة والتنوير و العقل  هي أدوات الحرية التي نظر لها وعي الحرية في الخطاب النهضوي و سوّغها سبيلا لتحقيقها و توفير المستلزمات الواقعية الملائمة لها” [ عبد الشيخ، الحرية، 164-165]. و معنى هذا لم تستطع النهضة الأولى احداث ثورة فلسفية ،كما حدث في أوروبا، بل انّ النهضويين الروّاد تعاملوا مع كل وسائل الحرية المتاحة لهم آنئذ على استحياء مع كل ما يتصل بالتقاليد، و بحذر مع كل ما يتصل بالعقائد، و بتحرّز مع الكل  بالتجديد. انّ هذه الحقيقة يجب أن نعترف بها بلا شك و دونما اختلاف،  والا فنحن أزاء مشاكل لا تستطيع كل الدراسات التي كتبت عن المشروع النهضوي الأول أن تعطينا حلولا حقيقية لما يجب أن يُقال في تقويم النهضة و فلسفتها. فمن العيب علينا أن نفسّر النهضة على هوى كل منا غير متبصرين بالتنوير الذي استعرنا فلسفته من الغرب  و نفخر بوصل الكثير من معرفتنا بمنابع فلاسفة التنوير الأوروبي، و نرفض أن نستشعر حقيقة  الى أي مدى يمكن  أن  نتفق على ثوابت الفلسفة و علاقتها بالحرية. فاذا كان كل منّا يفسّر الحرية من جهة الدوافع الذاتية والفردية و المجتمع المُستفرغ من الحقوق في  أي سلوك للحرية  ، نجد أن معاداة  الفلسفة ليس نابعا من الحرية بل انّه يرجع الى مصادرة الحرية بأي معنى من المعاني من واقعها الانساني . و هكذا انّ الدفاع عن الفلسفة في المجتمع الحر يحتاج منّا الى تشخيص أمراض الأفراد أو المجتمع، في التربية و السياسة و الاقتصاد، و هكذا  نجد أن أزمة العقلانية العربية في الربط بين العقل و الحرية انّما ترجع الى رسوخ النماذج التي اختلقها الباحثون في مقومات النهضة و خصائصها. تلك النماذج التي لم تفرج عن العقل العربي و هو يتفلسف لكي يتحرّك في فضاءات الحرية العربية، لأن الخطأ في ما اعتقدناه من كون فلسفة الحرية و حرية الفلسفة لا يمكن أن تخرج من دائرة الغرب، فقد فعل الفلاسفة الأوروبيون ، و ربما برأي البعض منّا ما زال الأوروبيون يفعلون، كل ما يجب أن يؤسس عليه ما هو غير قابل  للا نحطاط و العدمية من جهة الفلسفة و تبعا لها الحرية! و من هنا، لا نرى بيننا من تجرّأ على قول الحقيقة التي  زُيّفت كثيرا في فكرنا المعاصر، بعد أن تورّط الغرب في اسباغ  صفات الفساد في ما يعانيه  انتحال معاني متناقضة لليبرالية و الديمقراطية فزالت المعاني الفلسفية للحرية في عصرنا الراهن، بعد أن صار مقياس القوّة هو الذي يحكم العالم. و قد فطن نصّار الى هذه المسألة ، فهو يرى بحقّ أن فلسفة عربية جديدة  ممكنة في نهضتنا العقلية الجديدة بقوله” واذا كانت الحضارة الغربية قد تفوّقت على سابقاتها في رعاية هذ القيمة     [= الحرية] ، فليس معنى ذلك أن الحرية حكر على الحضارة الغربية، وانّ كل دفاع عن قيمة الحرية هو تقليد لمذاهبها الليبرالية، و انّما معناه أنّه لا يمكن تصوّر نهضة حضارية، بعد انجازات الحضارة الغربية، من دون تأسيس على مبدأ الحرية و قيمة الحرية” [ التفكير و الهجرة، 325]. و هنا يمكننا الاحتكام الى برلين في حسم هذه المسألة بالقول ” انّ الطريقة الحقيقية لاكتساب الحرية ، كما يُقال لنا، هي استخدام المنطق النقدي ، أي ما هو ضروري و ما هو محتمل … وهذ هو منهج العقلانية المتنوّرة منذ زمن سبينوزا الى آخر اتباع هيغل. فما نعرفه وندرك ضرورته العقلانية لا نستطيع التخلّي عنه اذا أردنا أن نبقى عقلانيين. و اذا أردنا لشيء أن يكون على غير ما هو عليه، من غير سبب عقلاني كما في الضروريات التي تسيطر على العالم، نكون بذلك جاهلين و غير عقلانيين ” [حدود الحرية، 37-38],

       و من الغريب أن نقرأ في مراجعنا أن هناك من المثقفين من يسخرمن فللاسفتنا المعاصرين، بل و يسفهون الفلسفة باعتبارها مضيعة للوقت، طالما انّ هؤلاء الفلاسفة ليسوا غربيين، فكيف يتفلسفون كما تفلسف ألأوروبيون الذين تتمثّل فيهم الحداثة، بينما فلاسفتنا يصدرون عن تراث فلسفي لم يعد قائما ولا يواكب روح العصر! و هؤلاء هم أصحاب الجهل المركّب من جهة استنكارهم على فلاسفتنا أن يكون لهم الدور الحقيقي في حركة الحرية، و عند هؤلاء انّ الحرية لا تتحقق من منظورنا العربي، بل من المنظر الغربي. و يغيب هنا العقل عن هؤلاء الناس مهما كانت مشاربهم ، و غياب العقل معناه غياب الحرية. و ليس من الصحيح القول المنسوب الى القديس أمبروز، تبعا الى برلين ” انّ العاقل حرّ و ان كان عبدا “!  [حدود الحرية،80]، فهذا من جهة يقصد أنّ العقل هو مولّد الحرية ، و لكن منطق الحرية يؤكّد أن الاستعباد الذي يستلب الحرية يستلب العقل أيضا. فالحرية هنا هي حرية الفلسفة ، ولا يمكننا ادراك حرية العقل الا بحرية الانسان. فالفلسفة هي الفضاء الذي يمارس العقل فيه وظائفه المنطقية الصحيحة، و تأسيسا على ذلك  تزدهر الفلسفة في المناخ الذي تسوده الحرية .

9.  في أنّ اشكالية الحرية معضلة بلا حلّ :

      اذن، ان الخطأ  في بحث اشكالية  الحرية يكمن فينا،في عقولنا الفردية و عقلنا الجمعي، بل في  معطيات العقل العربي .  فنحن ، المفكرين العرب الذين نزعم مع أنفسنا نبحث عن الحقيقة ، لا ندري للآن أين هي الحقيقة التي نبحث عنها تحت وطأة الاجبار و القسر و الاستعباد  و المنفعة و المصلحة الفردية، وغياب الغايات و الأهداف في انتحال الليبرالية و الديقراطية اللتين لا تعبران في عصرنا عن فلسفة التنوير التي نريدها لنهضتنا الجديدة ؟ و ليس قولنا هذا يبتعد عن الحق لو سألنا أيضا: كيف نصل الي فلسفتنا الراهنة  لكي يكون لنا شأن في الدرس الفلسفي العالمي؟ و تبقى الحرية، و علاقتها بالفلسفة، معبّرة عن  فوضى المزاعم الكثيرة بحل اشكالية الحرية في فكرنا المعاصر،مع غياب تام لكل  أزماتها في الوعي الغربي و الأوروبي بوجه خاص؟

        و بناء على هذا، لا  نجد حصاد مؤلفات الباحثين ، وحتى في جامعاتنا العربية التي يصدر عنها عدد لا يستهان به من رسائل  و أطرحات ، تتناول الحرية  بحرية عقلية، أو بعقل حر من دون الوقوع في دائرة الخداع و التزييف و الانتحال !  فقد اكتشفنا أن هناك من  سخّر طلبته للكتابة عنه في الرسائل والأطروحات التي أشرف عليها [ انظر مثلا: هناندة، مفهوم الحرية  ، بحث منشور في كتاب الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام، 53-68 ، وهو خلاصة لأطرحته ، 56 هامش 1]، أو الاستفراد بالدرس الفلسفي في جزء من عالمنا العربي [ انظر مثلا: الآلوسي، المشهد الفلسفي في العراق، أعمال ندوة بيت الحكمة ، بغداد 1977] .أو انتحال و تزييف الوقائع و الأحداث أو اهمالها  [ انظر مثلا: علي الجابري، بحثه المنشور في كتاب الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام، 575-605، و بخاصة 600-602].

        انّ ترك دراسة الفلاسفة الكبار من المعاصرين في ساحتنا الفكرية بلا  تحليل او نقد، والمبالغة بتكريس الاهتمام  دائما في النهضة العربية الأولى ورجالها  الذين لم يكونوا في الحقيقة الا روّاد انفتاح  لفكرنا العربي على مجريات العصر آنئذ، و ليسوا فلاسفة في الحرية و معطياتها المختلفة التي نواجهها اليوم بعد قرنين من الزمان !  فأي عيب بعد هذا نراه  في تسويف فكرنا المعاصر الراهن بقياس فكرنا الحديث الذي لا بد لنا من الاعتراف بأنه تردد بين الموروث و الوافد الى حد التناقض، و هو ما نرفضه اليوم و نحن نجابه تأسيس النهضة العربية الثانية كما يسميها نصّار [ باب الحرية، 23] ، أو كما  يصفها حنفي بأنها ” … بلورة مشروع عربي نهضوي جديد يكون … سمات عامة مشتركة بينها تحدد ملامح النهضة العربية المعاصرة ” [ ماذا يعني علم الاستغراب؟، 193].

     ولو رجعنا الى تنظيرات الفلاسفة الأوربيين، البارزين أمثال: د يكارت ، هوبز، اسبينوزا، لوك، كانط، هيغل، فيختة، شيلينغ،  بنثام،  شوبنهاور،  ميل، وماركس، وصولا الى وليم جيمس ، برادلي ، و ايتهيد   و رسل ، لوجدنا أن هؤلاء اشتغلوا بأفكار كوبرنيكوس، و غاليلو،  مونتسكيو ، ديدرو ، فولتير، آدم سمث و روسو. وهكذا كان عصر الأنوار ينتقل  من المستنيرين الى فلاسفة الحرية. و بلا أدني ريب، هذا نفسه يجري عندنا بين فكرنا الحديث و المعاصر، فالروّاد مستنيرون بحسب ظروفهم الخاصة و العامة، و المعاصرون فلاسفة ينظرّون في الأفكار، لكن يجب أن لا يجتروها اجترارا صار على مرّ الزمان خليط أفكار لا تعد و لا تحصى لتدمير الفلسفة من وجه، ومصادرة الحرية من وجه آخر. و يبدو لنا أنّ استنتاج حنفي في موضوع انهيار الغرب الراهن، انما يعود الى   حروب أيديولوجيات [ ماذا يعني علم الاستغراب؟، 164]، ثم تحول سلب الحريات الى سلب خصائص ترتبط بالعلم فحسب ، و هذا ما قاد خصوم الفلسفة من داخلها في عالمنا العربي الى امتهان السلبية اللايقينية للعقل العربي  حتى ” كبلت نزعة امتهان السالب العقل العربي من أن يقتحم المناطق المهجورة من فكره،و اختراق اسيجة .. التجريم المقامة من حوله… مما أوقع العقل العربي في فخ التبعية للفكر الأوروبي … و نتيجة له ، لا يرى هذا البعض حلا لأزمة العقل العربي الراهنة الا من خلال قطيعة معرفية مع فكر ماضيه اسوة بما فعل العقل الأوروبي في عصر التنوير” [ الفجوة الرقمية ،250، 251 ، 252].  وهنا ندرك الى أي مدى نسيء الى فلسفتنا المعاصرة عندما نناقض أنفسنا بالسكوت عن ما يحدث في محيطنا المأسورين فيه فلا نستطيع ، كما يرى كوتنغهام، ” أن نخطو خارج المحيط الثقافي و التاريخي الذي نجد أنفسنا فيه الآن، و سيكون من التهوّر و العجرفة الى أقصى الحدود أن نفترض أن جيلنا قد انتج الحلول النهائية لبعض من أكثر مشكلات الفلسفة مركزية “[ العقلانية، 21، 22]، و لعل اشكالية العقل و الحرية  هي مسألة المسائل في خطابنا النهضوي الجديد. و ربما يكمن الحق، كل الحق، في ما يقوله الجابري من أن اشكالية الحداثة هي الحرية و العقلانية [ نحن و التراث، 273].

      و ليس عيبا علينا أن نعترف  بأن صياغة مفهوم الحرية و من ثم التنظير في اشكاليتها هي من مهمات فلاسفتنا النهضويين الجدد في راهن فلسفتنا العربية المعاصرة، للدفاع عن العقل و الحرية ، لأنّ من واجبنا الفلسفي و مسوؤليتنا على مستوى البحث أن نقف على الضد  من هؤلاء الذين يناهضون العقل و الحرية معا، لكننا لا نفعل ذلك ، من جهة اننا نستمريء  أن نترك خلفنا كل ما يجب أن يكون أمامنا ، و نهمل كل ما هو أمامنا و نبعثره يمينا ويسارا ، وصرنا نتحرّز من الاضطهاد في داخلنا قبل أن نجابه اضطهاد الخارج الذي ينزل علينا من الآخر، فصار خوف الأنا منه مقرونا بالخوف من الحرية، وأدى الخوف من الحرية تبعا لهذا الى تحوّل قهري للخوف من الفلسفة! لكن تبقى اشكالية الحرية مقيّدة  بظروف معضلة بلا حل ، لأن من غير الحقّ في شيء أن  تكون الحرية بلا فلسفة، كما انّ ليس من المنطق أن تؤسّس فلسفة بلا حرية.

      أما الدفاع عن الفلسفة باعتبار أنها لن تؤدي دورها طالما  تكون ” منعزلة عن عالم الناس ، و الفلاسفة ليسوا سكان قلعة نائية على أرض البشر”، كما يقول نصّار، ” انّما الفلسفة ميدان من ميادين الفكر البشري، و الفلاسفة أشخاص يعملون في هذا الميدان كما العلماء في ميادينهم، و هم [=الفلاسفة] بطبيعة الحال فئات و مراتب. و الفلسفة جزء لا يتجزّأ من الثقافة كنتاج للفكر العقلي، وهي على تفاعل مع قطاعات الثقافة و سائر قطاعات الحياة الاجتماعية. وكل تصوّر يضع مسافة فاصلة بينها و بين الثقافة، من جهة، وبين مشكلات الناس ، السياسية و غير السياسية، من جهة ثانية، انّما يهدف الى الغاء فاعليتها وفائدتها لمصلحة قوى معيّنة مسيطرة على المجتمع ” [ التفكير و الهجرة، 300].

 10. مرجعيات البحث :

الآلوسي، حسام :

* بحثه عن نفسه وعن اشتغاله بالفلسفة، ضمن كتاب المشهد الفلسفي في العراق، ضمن أعمال ندوة بيت الحكمة، بغداد 1977.

ابراهيم، زكريا:

* مشكلة الحرية ، ط 2 ، القاهرة 1972.

* مشكلة الفلسفة، ط3 ، القاهرة 1967 .

الأعسم ، عبد الأمير:

* اشكالية النقد الراديكالي وأزمة الصحيح و المنحول في الثقافة العربية المعاصرة، أعمال ندوة الجمعية الفلسفية المصرية، ديسمبر 2003، ضمن كتاب” فلسفة النقد ونقد الفلسفة ” ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005.

* مقدمة في عقلانية الخطاب العربي المعاصر، ضمن أعمال ندوة الفكر الفلسفي العربي المعاصر، بيت الحكمة، بغداد 1978.

* نقد عقلانية المشروع النهضوي، ضمن أعمال ملتقى عمان الثقافي الحادي عشر لوزارة الثقافة الأردنية، عمان 16-19/9/2002.

* الفكر العربي و راهنية المشروع النهضوي في خطابنا المعاصر، ضمن أعمال  الندوة العربية حول ” الفكر القومي : بداية قرن و نهاية قرن” / بيت الحكمة ، بغداد 28-29/9/2002

ابن خلدون :

  • المقدمة ، طبعة مصوّرة لمكتبة المثنى ، بغداد ( بلا تاريخ )، و نشرة حامد أحمد الطاهر، القاهرة 2004.

برقاوي، أحمد :

* مقدمة  في التنوير ، دار معد للطباعة و النشر، [دمشق؟].

برلين ، ايزايا :

  • حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، دار الساقي ، لندن – بيروت 1992.

حنفي ، حسن:

  • حوار بين المشرق و المغرب،[ بالاشتراك مع الجابري ، محمد عابد] ،ط1بيروت1991.
  • ماذا يعني علم الاستغراب ؟ ، ط1 ، بيروت 2000.
  • موقفنا من التراث القديم، ط1 ، القاهرة 1980.
  • موقفنا من التراث الغربي، في قضايا معاصرة ، ط1 ، القاهرة 1976.

حوراني، البرت :

  • الفكر العربي الحديث في عصر النهضة،  الترجمة العربية ، طبعة دار النهار ، بيروت 1968 .

الجابري، محمد عابد :

  • حوار بين المشرق و المغرب [ بالاشتراك مع حنفي ، حسن ]، ط1 ، بيروت 1991.
  • نحن و التراث، بيروت 1980 .

عبد الشيخ، محمد حسن :

* الحرية في الخطاب العربي/ انموذج : الخطاب القومي العربي المعاصر ، [ رسالة ماجستير – غير منشورة ]  ، جامعة عدن 1999.

العروي ، عبد الله:

* مفهوم الحرية ، بيروت 1981.

قرني، عزت :

* العدالة و الحرية في فجر النهضة العربية الحديثة،سلسلة عالم المعرفة/30، 1980.

كوتنغهام، جون :

*العقلانية ، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، مركز الانماء الحضاري، ط 1، حلب ، 1997.

ليونز ، وليام :

* فلسفة العقل ، ضمن كتاب : مستقبل الفلسفة في القرن الواحد و العشرين،

  تحريرأوليفر ليمان ، ترجمة مصطفى محمود محمد، سلسلة عالم المعرفة/

 301 ، 2004.

محمود، زكي نجيب :

       * تجديد الفكر العربي،  القاهرة 1971.

نصّار ، ناصيف :

*  باب الحرية ، ط1 ، بيروت 2003.

* التفكير و الهجرة ، ط 2 ، 2004 .

        * طريق الاستقلال الفلسفي ، ط3، بيروت 1986.

        *  الفلسفة في معركة الايديولوجية، ط 2، بيروت 1986.

        * منطق السلطة، ط2، بيروت 2001.

هناندة، ماهر:

* مفهوم الحرية في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، بحث منشور ضمن كتاب الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2002،( و هو ملخص لأطروحة دكتوراه   – غير منشورة) ، جامعة بغداد 2000.

                                                 ***

Advertisements
 

أكتب تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: